العوامية تزداد احتقانا فمتى ستدرك السلطات أن القمع والإعدامات والسجون ليست حلا؟

 

طالب الحسني

من المحرمات في السعودية أن تذكّرهم بأحداث القطيف والمنطقة الشرقية ، أو أن تطلق على ما يحدث هناك بأنها قضية تتوجب معالجة منطقية وحقيقية ، وعقلانية وعادلة ايضا . المنطقة الشرقية تعني النفط السعودي ، حقل الغوار بمنطقة الاحساء وحده ينتج 65% من الانتاج النفطي السعودي حتى عام 2000، وهو الان ينتج قرابة 5 مليون برميل يوميا ، 50% من الانتاج الكلي حاليا ، ولكن هذه المنطقة أيضا تعني أحد أكبر واهم القضايا الداخلية في المملكة ويحاول النظام السعودي أن يتجاوزها وأن لا يعترف بوجودها ، رغم أنها هاجسا مقلقا منذ 100 عام
هناك احتقان تاريخي متداخل ، واصبح هذا الإحتقان مزمن ، عمره عقود من الزمن ، سلسة كبيرة من الاحداث لا يمكن شطبها من ذاكرة أبناء هذه المنطقة بسهولة ، ابتداء بأحداث أو ثورة أبناء منطقة العوامية عام 1926 هذه المدينة نفسها التي تتعرض اليوم للعقاب والتهجير والاشتباكات المتواصلة ، استمرت هذه الأحداث قرابة عام كامل ولم تنتهي إلا بحوار مع الملك عبد العزيز بعد الاستجابة لمطالب الثوار ( السعودية تسميه تمرد ) وعزل أمير منطقة القطيف عبد الرحمن بن سويلم ، اعتبرت وهذه التسوية انتصارا كبيرا لأبناء المنطقة الذين انتفضوا رغم أن النظام كان يتمتع بقوة وكان يخضع مناطق اخرى توسعية ، ومن المفارقة أن الاحداث نفسها تكررت بثورة أكبر وفي ظل متغيرات كثيرة إقليمية ودولية ، وبلغة جديدة وشعارات أكثر وضوحا ، وهو ما يطلق ثورة الاحساء أو انتفاضة محرم عام 1979 ، صحيح أنها متزامنة مع نجاح الثورة الاسلامية في إيران، ولكن توسع رقعتها حيث لم تقتصر على منطقة العوامية بل شملت القطيف والاحساء والمدن الشرقية برمتها أكدت أنها تكونت قبلا وتنامت قبل احداث ايران والتطور الوحيد الذي يمكن ربطها بالتأثر بالثورة الايرانية أنها رفعت شعارات دينية وأوحت للسلطات السعودية أن عليها الإعتراف بالهوية الدينية لابناء هذه المنطقة ( شيعة جعفرية ) ولهذا تم مواجهتها عسكريا وسقط العشرات من المتظاهرين شهداء وجرحى وعززت السلطات السعودية من الانتشار العسكري ، وكأنها استفاقت بعد قرابة نصف قرن من الاحداث السابقة التي كانت مطلبية بحتة متعلقة بالضرائب والجبايات وما شابه ، على معارضة عملاقة في قلب وبجوار المخزون النفطي العامل الوحيد في الطفرة المالية للسعودية ، وصحيح أن هذه الثورة اخمدت ولكن جذورها وعوامل قوتها وتناميها واتساعها كانت لاتزال باقية ، والمذهل أن سلطات آل سعود استمرت في التعاطي مع هذا الملف بطريقة لا توحي بأن هناك توجه واعي لمعالجتها .
لن نغوص في تاريخ هذه المنطقة وأحداثها فهي تمتد لأكثر من قرن ولكن ما يهم هو أن السلطات السعودية لا تزال تراهن على القمع والسجن والاستبداد وشيطنة أبناء هذه المنطقة وهذه الطريقة جربت على مدى المئة العام الماضية ولم تجدي نفعا بل عززت من تنامي الحراك الثوري واضافت إليها محطات كبيرة من النضال والتمسك بالمطالب ، ومن يتابع تنامي الحراك الثوري سيدرك كم هو الفرق بين الانتفاضات السابقة وبين التظاهرات التي خرجت بمئات الالاف عام 2011 بالتزامن مع الربيع العربي ، هذه التظاهرات رفعت شعار اسقاط نظام آل سعود وكسرت حاجز الخوف من السلطات رغم أن السجون السعودية تعج بالمعتقلين على قضايا الرأي في ظل غياب دور ملموس للامم المتحدة تجاه هذا القمع وسجن المعارضين أو إبعادهم ووصولا إلى الاعدام وآخرها اعدام الشيخ نمر باقر النمر مطلع العام 2016 على ذمة هذه القضية نفسها
ألم يتضح للسلطات السعودية أن هذه الحلول ليست مجدية وأن استمرار القمع والسجن والتغييب ليس الطريق المثلي ، وأن الهروب للامام في التعاطي مع تنامي الحراك في هذه المنطقة والاكتفاء بشيطنة أبنائها ووصمهم بالعمالة لإيران فقط لمجرد أنهم من الطائفة الشيعية لا ينتج حلول بل يضاعف من قوة الحراك والتمسك بالقضية والهوية ويضيف إلى ذاكرة الاجيال القادمة مزيد من الرموز الذين قتلهم النظام السعودي ومن بينهم الشيخ النمر وعشرات الشباب على ذمة هذه القضية .
ما يحدث الأن في المنطقة الشرقية وفي العوامية بالتحديد من تهجير وتعزيز للقوات العسكرية والإعتقالات واقتحام الاحياء بذريعة ملاحقة عناصر ” ارهابية ” ضاعف من الحراك المسلح والاشتباكات ، ويضاعف من الاحتقان ويبد أن السلطات السعودية لن تخرج من الطريقة التقليدية في معالجة هذا الملف وعدم الإعتراف به ، فمتى ستدرك السلطات أن القمع والإعدامات والسجون لم تكن حلول مجدية خلال 100عام من ثوران هذه المنطقة ؟

 

رأي اليوم

 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى