مقالات

عودة للعلاقة بين الخطاب الديني وتوليد العنف

كثير من الأصدقاء أزعجه مقال الأسبوع الماضي لأنه – بحسب تقديرهم – برأ الخطاب الديني من توليد العنف السياسي أو تبريره. والحق أني أرى مبالغة غير محمودة في اعتبار هذا الخطاب، مولدًا وحيدًا أو رئيسيًا للتطرف والعنف. ذلك أني أميز بين توليد الفعل وبين تبريره. كما أنني غير مقتنع بأن عامة الناس يعملون بتدبير مسبق على تشكيل ثقافتهم، أي الخلفية الذهنية التي تتحكم في الأعم الأغلب من أفعال الفرد وردود فعله. أقنعني البحث والتأمل في أحوال الناس بأن ذهنيتهم تتغير غالبًا بعدما يتغير موقفهم من تحولات الحياة الواقعية، أو حينما يتغير موقعهم في النظام الاجتماعي.

بعبارة أخرى، فإن دور اللغة الدينية يقتصر غالبًا على توصيف أو توجيه موقف اتخذه سلفًا فرد أو جماعة. هذا الموقف قد لا يكون منشؤه دينيًا، بمعنى أن موضوعه ليس من داخل الدين، أو بمعنى أنه ليس مستمدًا من قيم دينية. بل استخدم الدين كعباءة لموقف شخصي أو اجتماعي أو سياسي أو آيديولوجي.

لا نستطيع بطبيعة الحال الحكم على من فعل هذا بأنه كان حسن النية أو سيئ النية. بل أظن أن استخدام اللغة الدينية أو التبرير الديني منشؤه في الغالب سهولة تقديمه إلى عامة الناس، أو ربما غياب الفاصل بين الذات الفردية أو الجمعية وبين الذات الدينية، أو اختلاط الهوية الاجتماعية بالهوية الدينية، على نحو يلغي المسافة بين ما هو ديني وما هو شخصي. وهذه ظاهرة ملحوظة في الحياة العامة، سيما في المجتمعات المحافظة. ومن أبرز تمثيلاتها التي نراها كل يوم تقريبًا، ردود فعل الأشخاص على انتقاد مجتمع أو جماعة دينية.

حين تقول إن مجتمعًا ما مثلاً احتقر إنسانًا أو انتهك حقوق الإنسان، سوف تسمع على الفور جوابًا فحواه أن الإسلام ضمن حقوق الإنسان أو أنه سبق الغرب في إقرار حقوق الإنسان. المعنى الضمني لهذا الجواب هو أن المجيب افترض أن نقد المجتمع «الذات الجمعية» يعادل نقد الدين، وأن إقحام الدين في الجواب سوف يحوله من رأي شخصي إلى موقف جمعي. هذا النوع من رد الفعل ليس موقفًا دينيًا بل اجتماعي أو سياسي يستخدم لغة الدين.

الصراع ضد الحداثة هو أحد نماذج استعمال اللغة الدينية في صراعات اجتماعية/ سياسية. خلال سبعينات القرن العشرين عملت شخصيات وجماعات إسلامية على خلط الموقف السياسي من الدول الغربية، بالموقف من منتجات الحضارة الغربية والفكر الإنساني بشكل عام، في سياق عمل مخطط أو عفوي لبث الهمة في نفوس المسلمين.

وكان السياق العام لهذا العمل هو إقناعهم بأنهم يتعرضون لعدوان غاشم، وأنهم قادرون على هزيمته إذا نهضوا. هذا نوع من التعبئة الروحية استهدف الترويج لتيارات محددة، ويبدو أنه قد حقق نجاحًا باهرًا في الأقطار التي تفتقر للتعدد الثقافي أو الحياة السياسية المفتوحة. لكننا نعلم أن هزيمة الغرب تتجاوز قدرة الداعين إليها. فكانت نتيجة التعبئة هي تحويل الشعور بالظلم والرغبة في مقاومة العدوان، إلى ارتياب وكراهية للغرب وكل ما يرمز إليه.

يعتقد المرحوم د. راشد المبارك أن الموقف من الغرب هو أحد مولدات التشدد ومن ثم الكراهية «ر. المبارك: فلسفة الكراهية». ويعتقد داريوش شايغان أن العجز عن الانتقال من الارتياب في الغرب إلى استخدامه أو منافسته ومن ثم تجاوزه، كان من أسباب التأزم الداخلي في المجتمعات الإسلامية. وهو تأزم أدى إلى تطبيع التصارع الداخلي الذي يشكل بيئة طبيعية للتشدد والعنف «د. شايغان: النفس المبتورة».
ما زلنا إذن نتحدث عن مواقف تصاغ بلغة دينية. أوليس هذا تأكيدًا لمسؤولية التيار الديني والثقافة الدينية عن توليد العنف أو تبريره؟

في رأيي لا. علينا أن نفصل بين المواقف المؤسسة على أرضية القيم الدينية، وبين استخدام اللغة الدينية كوعاء لعرض المواقف والآراء التي تمثل مصالح اجتماعية أو سياسية. أعلم أن مثل هذا التمييز عسير، لكنه ضروري كي نرى الأشياء كما هي في الواقع، بدل أن نستكين للتفسيرات المجردة ولو كانت مريحة.


د.توفيق السيف 
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى