النشرةتقارير

خاص| الشيخ نمر النمر.. عاشق الشهادة الذي نال مراده

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

لمن يريد أن يعرف سر انتصاراتنا.. فلينظر إلى الشهادة في أدبيّات قادتنا، فهي العشق الأبدي الخالص لله تعالى.. بها نواجه الطاغوت مهما علا شأنه ومها اشتدّ أزره، وبها نثور ونقاتل ونُقتل ثم نحيا من جديد. مخطئٌ من ظنّ أننا هواةُ موت أو ذوي ثقافة انهزامية بل على العكس تماماً، فطالما أن الموت محتوم على الجميع وفي كافة الظروف. يسعى مجاهدينا لتأمين أفضل حياة بأقل عدد ممكن من الشهداء حتى تهنأ شعوب منطقتنا كاملة.

بهذه الروحيّة الحسينية، عمل الشيخ الشهيد نمر النمر الذي أحبّ الشهادة فأحبّته، وناداها فلبّته.. ليرتقي كمعشوقه الحسين (عليه السلام) ذبيحاً بسيفِ أشقى أشقياء الأرض. كل من عرفه عن قرب يعرف معدن هذا الرجل. إنه من النوع الذي لا يلين. صلبٌ كالحديد في مواجهة الطغيان وشديدُ اللين بين يدي الله. حاربوه. شيطنوه. فعلوا كل ما بوسعهم لإعدامه شعبياً. لكن بيانه وبلاغته أحبطت كل مآربهم تلك. أما من تركه وحيداً فلم يفعلها من منطلق أخذ الروايات السعودية على محمل الجد، إنما لأن ذلك كان الخيار الوحيد أمامه خشية أن يمسه ضرر. لقد كان مجبراً على تصديق التفاهات والسخافات السعودية وليس مخيراً.

هو الذي رحّب بالموت مراراً وتكراراً، ويوم شُلّت الألسن خاطب سيّافه ساخراً: “لا تملك أكثر من قتلي”. لم يكن يمزح، ولا يتباهى. بل كان واقعياً. كان الشيخ النمر يدرك قدرة الله وعزّته أمام ضعف أعدائه. كان يعرف نهاية طريقه لذا سلكه آمناً مطمئناً ودعا الناس للتروّي إذ ليس ثمة سبباً للخوف.. الخوف فكرة خرافية كانت بالنسبة له. يخلقها الإنسان بنفسه فتفتك في عزيمته وإقدامه فيما تضاعف من قوّة عدوّه. كان مطمئناً لكل شي إلا للقاء ربه.. فالإطمئنان مكروه عند ملاقاة جبّار الجبابرة، والخضوع في محضره عزٌّ ورفعة.

كان سماحته مبدعاً في توظيف القيم العاشورائية بالحياة اليومية، لقد نهل من من عاشوراء كل شيء فكيف به عند حديثه عن جوهر عاشوراء وأصل وجودها ألا وهو الشهادة، ففي أحد الأيام العاشورائية اعتلى سماحته منبراً وخاطب الناس قائلاً: “نحن نعيش الظلم والخوف والترهيب على امتداد مئة عام، منذ اللحظة الأولى التي تولد فيها تحاط بالخوف والترهيب والمطاردة والتنكيل. ولدنا ونحن نخشى الجدران. لأن أنت متهم على كل شيء. وفي كل لحظة. ما زال مخطط القيام بمجزرة لدى السلطات موجود دائماً أهلاً وسهلاً نحن حاضرين دماؤنا رخيصة دفاعاً عن قيمنا. لا نخاف الموت. بل نعشق الشهادة. أقصى ما تفعلونه هو الموت. مرحباً في الشهادة في سبيل الله. إما نعيش على هذه الأرض أحرار أو نموت في باطنها أبرار”.

كذلك عمل الشيخ النمر على جذب الشباب نحو التعرف على مقام الشهادة، كاشفاً لهم عن سرّ نبراته وزئير كلماته، عن قبضاته، ملامحه، وهو يشتم آل سعود في عقر دارهم. أي شجاعةٍ هذه؟ أي عشقٍ هذا الذي يحررنا من كل شيء إلا من طاعه الله. فها هي كلماته التي لم يخشَ في قولها لومة لائم لا تزال تتردد على أسماع محبيه: “نحن نعيش ذكرى سيد الشهداء الحسين (ع)، ونعيش آلام وجراح شباب سقطوا شهداء برصاص عدواني طائش.. ولذلك حريٌّ بنا أن نعرف مقام الشهداء، مقام الحسين ومن معه من الشهداء حتى نتضامن مع أولئك الشهداء ونسير على نفس الطريق دون أن نتراجع قيد أنملة عن السير في نهج الشهداء الذين بذلوا مهجهم في سبيل الله من أجل نيل الكرامة والعزة والعدالة والقسط ومن أجل الحريات الفكرية والسياسية. إذاً هؤلاء قدموا أنفسهم قرابين لله.. من أجل كرامتهم وكرامة الأمة والعدالة الشاملة”.

الشيخ النمر بيّن أيضاً مراتب الشهادة ما بعد الموت، بالحديث عن الأقسام التي ينقسم فيها الناس بعد أن يتوفاهم الله، لينتهي إلى القول أن الشهادة هي أرقى المراتب التي يمكن أن يجنيها الإنسان بعد المماة، من منطلق أن جميع الناس أموات يوماً ما، لكن أحسنهم حظّاً هو من استشهد في سبيل الله. وهو ما يوضحه سماحته في هذا الإقتباس من خطبة له حول الشهادة: “الناس بعد الموت ثلاثة أقسام.. الطغاة وأشباههم كفرعون ومن يعنيهم كالجواسيس وهؤلاء يعذبون عذاباً شديداً منذ لحظة الموت حتى يوم القيامة. لذلك ليس هناك ضرورة لتعذيب المجرم فالعذاب الذي ينتظره لن ينتهي. القسم الثاني في سبات، يموت ثم يبقى على حاله إلى أن يفتح حسابه يوم القيامة. ممكن أن ترجح لهم الجنة وممكن النار لكن في القبر يبقون سبات. أما القسم الثالث فهم الشهداء والعلماء الربانيون وكل من شابههم، هؤلاء من أول لحظة يعيشون حياتهم برخاء “فلا تحسبن الذين قتلوا أمواتاً بل أحياءاً عند ربهم يرزقون. الشهداء لا يخافون من ترهيب السلطات”.

وكما عهدنا الشيخ الفقيه، يشدّد على السلمية المطلقة في كافة التحركات المعارضة للنظام السعودي فإنه أيضاً في معرض كلامه عن الشهادة نادى بالنهج السلمي، حتى لا يتحول الأمر لذريعة بيد السلطات فتعسكر المطالب بحسب قوله، لذا نادى سماحته بطلب الشهادة في صدور عارية وأيدٍ خالية مؤكداً على تخليه عن كل من يحمل السلاح في التظاهرات: “لا يجوز لأحد أن يستعمل سلاح ويفسد على المجتمع ما يحصل عليه من مكاسب عبر كلامه وشهادته. لأن السلطة سوف تدس ناس بغية استخدام السلاح. حتى تعسكر المطالب. وتوجد مبررات دولية وإجتماعية للإستفراد بمن يطالب بحقه وتقتله. لذلك السلاح مرفوض. أنا لو رأيت إنساناً يحمل سلاحاً في التظاهرات لطلبت منه العودة إلى دياره في الحال. لأن قوتنا ليست بالسلاح بل قوتنا بروح الشهادة وبكلمة الحسين. مرحباً بالموت”.

لقد كان سماحة الشيخ النمر مصداقاً لقول الله تعالى: “أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه”، ذلك أنه آمن أن الحياة كدح، فعاش حياته متحملاً الإعتداءات المستمرة من قبل سلطات آل سعود ومخابراتهم، سواء في المطاردة اليومية له، وحملات التضليل والتشويه الإعلامي الذي خاضتها السلطات ضده بشراسة حتى تحطّ من حضوره بين الناس، إلى جانب الإعتقالات المتعددة التي تعرّض لها حتى اعتقاله بصورة نهائية عام 2012 ومن بعدها شهادته المباركة في 2016. سنوات اعتقال ثقيلة ومتعبة لكن الشيخ الشهيد عاشها بشوقٍ كبيرٍ لنيل الشهادة في سبيل الله. سنوات لم تأخذ مأخذاً من عزمه وإقدامه بل زادته اتزاناً وإصراراً على استكمال مسيرته حيث تجلى ذلك في مرافعة كرامة التي أعدها سماحته في آخر أيام عمره قبيل استشهاده مبيناً بها حكايته كاملة خلال سنواته النضالية. لقد استشهد حقاً. لكنه لم يمت. ولن يمت.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى