الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - خريطة المؤسسة التشريعية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. محاولة فهم

خريطة المؤسسة التشريعية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. محاولة فهم

جواد عبد الوهاب

يتميز هيكل المؤسسات التشريعية الإيرانية بتعدد المرجعيات التشريعية على نحو فريد ومتميز بين دساتير العالم المعروفة كافة ، وخلافا لكل البرلمانات ، فإن البرلمان الإيراني أو مجلس الشورى لا يسيطر وحده على سلطة التشريع في إيران ، كما هو الحال في أغلبية برلمانات العالم ، بل تنازعه في ذلك مؤسسالت تشريعية أخرى.

وتعود هذه الخصوصية إلى رغبة مؤسس الجمهورية الإسلامية الامام الراحل روح الله الموسوي الخميني (رضوان الله عليه) إلى المحافظة على “إسلامية النظام” مهما تغيرت الظروف، وإلى عدم منازعة أحد أركان الحكم لسلطة “ولاية الفقيه” وهو المبدأ الحاكم في الجمهورية الإيرانية والذي يعتبر الضمانة الوحيدة لاستمرار واستقرار النظام الإسلامي.

ان مبدأ ولاية الفقيه يرجع اليه التعدد في المرجعيات التشريعية الايرانية بدءا من “القائد” وهو مرشد الثورة والذي يمثل أعلى منصب في البلاد، ومرورا بـ”مجلس مراقبة الدستور”الذي له حق استبعاد المترشحين من خوض الانتخابات ، ومجلس الخبراء الذي ينتخب اعضاؤه مرشد الثورة ، وانتهاء بـ”مجمع تشخيص مصلحة النظام”.

وتوخى المشرع الايراني في دستور الجمهورية الاسلامية صوغ سيادة مبدأ ولاية الفقيه على ما سواه من اعتبارات ، ولهذا فللبرلمان مجلس يراقب أعماله ويزن قراراته ، وله الحق في الموافقة عليها أو ردها ، ولا تكون لقرارات البرلمان ، مهما كانت غالبية الاصوات ، الصفة القانونية مالم يوافق مجلس مراقبة الدستور على انطباق تلك القرارات مع أحكام الشريعة الاسلامية كما يراها مجلس مراقبة الدستور.

كما ان للدستور الايراني الحق في نزع الصفة القانونية للمجلس برمته في حال لم يتشكل مجلس الرقابة على الدستور ، أي أن روح ومواد دستور الجمهورية الاسلامية قد جعلت من أعضاء مجلس الرقابة على الدستور بمثابة أعضاء في محكمة دستورية عليا لها صلاحيات تشريعية أرفع من البرلمان.

ويتكون مجلس الرقابة على الدستور من 12 عضوا نصفهم من الفقهاء الذين يعينهم مرشد الثورة مباشرة ، وينتخب البرلمان النصف الآخر من رجال القانون المتخصصين في أفرع القانون المختلفة بناء على ترشيح من رئيس السلطة القضائية الذي يعين بدوره مباشرة بقرار من الولي الفقيه.

ويحدد الدستور الايراني آلية اتخاذ القرار في مجلس الرقابة على الدستور، حيث يقسم أعضاء هذا المجلس إلى فئتين متفاوتتين من حيث الأهمية ، وأعضاء الفئة الأولى الممتازة هم الفقهاء الذين يملكون وحدهم حق التصويت في مجلس الرقابة ، فيما يتعلق بانطباق قرارات البرلمان مع أحكام الشريعة الإسلامية، أي تكون أغلبية أربعة أصوات كافية لاتخاذ القرار، أما أعضاء الفئة الثانية فيستطيعون التصويت في مجلس الرقابة بجانب الفقهاء اذا ما بُحثت قضية تماشي قرارات البرلمان مع دستور الجمهورية الإسلامية. وفي هذه الحالة تكون الغالبية المطلوبة هي ثلاثة أرباع أعضاء المجلس ، أي تسعة أصوات من أصل اثني عشر صوتا.

ولا يخفى أن شرط غالبية التسعة أعضاء هذه قد قصد منه ، أن لا يتخذ مجلس الرقابة على الدستور أية قرارات لا تحظى بأغلبية الأعضاء الستة من الفقهاء الذين نصبهم الدستور قيمين وأوصياء على أحكامه.

ولأعضاء مجلس مراقبة الدستور أيضا الحق في فحص صلاحية المرشحين لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، واستبعاد من يرونه غير مستوف للشروط بالاستناد على عدة معايير منها المنطلقات الفكرية للمرشحين ، وبالاخص الايمان بولاية الفقيه.

ولا تفوت ملاحظة أن صلاحية اتخاذ القرارات السيادية مثل إعلان الحرب أو السلم ، ورسم السياسات العامة للدولة ، كلها منوطة بنص الدستور من اختصاص الولي الفقيه وليس البرلمان أو رئيس الجمهورية.

وبالنظر في معاني ودلالات هذه التراتبية يتضح أن مجلس الرقابة على الدستور الذي يهيمن عليه الفقهاء يسبق البرلمان في الأهمية التشريعية ، وبدوره يكون الولي الفقيه ممسكا بالخيوط التشريعية وقادرا من الناحية الدستورية على لجم أية اندفاعات للبرلمان قد تؤثر أو تخدش اسلاموية النظام عن طريق أعضاء الفئة الممتازة من الفقهاء.

وضمن الدستور للولي الفقيه الادوات اللازمة لتمكينه من السيطرة على الاجهزة الاساسية في النظام بتخويله منفرداً تعيين قادة القوات المسلحة والحرس الثوري ورؤساء السلطة القضائية وهيئات الاذاعة والتلفزيون.

وبالاضافة الى كل هذه الصلاحيات يملك الولي الفقيه ايضا سلطة عزل رئيس الجمهورية من منصبه اذا ما وجده مجلس القضاء الأعلى مذنبا او مقصرا في أداء واجباته الدستورية.

ولأن للولي الفقيه كذلك سلطة رسم السياسات العامة للجمهورية الاسلامية بعد التشاور مع مجلس الأمن القومي، فقد اضيف مجلس الأمن القومي إلى تشكيلة الهيئات الإيرانية تلك المتراوحة بين الصفة التنفيذية والصفة التشريعية.

وبخلاف مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) ومجلس مراقبة الدستور ، فهناك مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي أنشئ بقرار من مرشد الثورة الولي الفقيه آية الله السيد علي الخامنائي ليفصل في الخلافات التي قد تطرأ بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

ويختص مجلس آخر على قدر كبير من الأهمية وهو مجلس الخبراء المتكون من أعضاء يجري انتخابهم من الشعب مباشرة ، بانتخاب مرشد الثورة وباعفائه من منصبه إن اقتضت الضرورة.

وتوضح الخلفية التشريعية للانتخابات البرلمانية في إيران صلاحيات البرلمان المحدودة نسبياً في مقابل تضخم مثيلتها لدى مجلس الرقابة على الدستور ، وتعالي صلاحيات ولي الفقيه غير المحدودة على تفكير المشرّع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وبالتالي على امكاناته التنفيذية والعملية غير المقيدة تقريبا في الحياة السياسية الإيرانية.
لذلك فإن الانتخابات الإيرانية وإن كانت لا تؤثر كثيرا في علاقات النظام التشريعية والقانونية ، إلا انها تعتبر ترمومترا هاماً لقياس حرارة الشارع الإيراني واتجاهات الريح فيه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك