الرئيسية - النشرة - السنوية الأولى لشهداء الحق الثلاثة والثلاثين.. الشيخ جاسم المحمد علي يدعو المجتمع للوفاء لدم الشهداء في ظل التحديات أمام النظام السعودي

السنوية الأولى لشهداء الحق الثلاثة والثلاثين.. الشيخ جاسم المحمد علي يدعو المجتمع للوفاء لدم الشهداء في ظل التحديات أمام النظام السعودي

’’ هؤلاء الشهداء عبروا عن قيمة إنسانية عالية من ناحية البصيرة والتضحية، وكشفوا عن منسوب إيماني عالي للمجتمع الذي احتضنهم، فالمجتمعات التي تجود بالشهداء والمعتقلين، وتخوض معركة الوعي والتوحيد هي مجتمعات حية نابضة عاشقة للعدالة والحقيقة ومعانقة للقيم الأخرى’’


مرآة الجزيرة


بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للشهادة المظلومة، شهادة 37 شخصا أعدمتهم السلطة السعودية ظلما وعدوانا، في أبريل 2019، بين الشيخ جاسم المحمد علي أن السلطات أعدمتهم بسبب مطالبتهم السلمية بحقوقهم وحرياتهم التي تلامس كرامتهم الاجتماعية والسياسية.

وفي كلمة مصورة نشرها الشيخ المحمد علي، نبه إلى ضرورة الوفاء للشهداء ومسيرتهم والقضية التي استشهدوا من أجلها، وقال “نحن في هذه الوقفة نجدد عهدنا بهم وبقضيتهم وبرسالتهم”، وندد بجريمة الإعدام لهؤلاء الشهداء وقمع المظلومين الذين لم يرتكبوا جرما ولم ينتهكوا حرمة، بل إنهم بحثوا عن عزتهم وهويتهم في ظل هذا النظام المستبيح لهذه الدماء البريئة، والمعبر عن نزعة قمعية مستهترة بالأرواح والأنفس، وهذا النظام فاقد لقيمة الإنسانية والدين والعدالة.

رجل الدين ابن مدينة الأحساء، يشدد على أنه “نستحضر هؤلاء الشهداء ودماءهم ورسالتهم، في ظل واقعنا المعقد والملتبس في أبعاده الداخلية والإقليمية وفي جوانبه الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وهؤلاء الشهداء عبروا عن قيمة إنسانية عالية من ناحية البصيرة والتضحية، وكشفوا عن منسوب إيماني عالي للمجتمع الذي احتضنهم، فالمجتمعات التي تجود بالشهداء والمعتقلين، وتخوض معركة الوعي والتوحيد هي مجتمعات حية نابضة عاشقة للعدالة والحقيقة ومعانقة للقيم الأخرى”.

وربط جريمة الإعدامات بسلسلة من المتغيرات التي يعيشها النظام، واعتبر أن مسلسل الإعدامات المتواصلة أتى في مرحلة حساسة تشكلت معالمها مع التغييرات في المنطقة، مشيرا إلى أن المجتمع في القطيف والأحساء كان واحدا من المجتمعات الرازحة تحت الظلم والاستبداد منذ عقود، وتابع أن “التطورات كانت بمثابة المقدح الذي أشعل ما كان كامنا في جذوره المتراكمة من الشعور بالاضطهاد، والمجتمع استثمر الفرصة الاستثنائية”.

الإعدامات.. وسيلة مجابهة النظام للإصلاحات

عن السلطة وتعاطيها مع المواطنين، يؤكد الشيخ المحمد علي أنه “يقرأ نمط السلطة السعودية، يجد أن السلطة تتعاطى مع التطورات بلغة وعقلية عنيفة، فهي لا تعترف بلغة الإصلاحات السياسية والاجتماعية، ولا تذهب إلى ناحية إصلاح المشكلة التاريخية العميقة التي يعاني منها مجتمعنا وأفراده، بل هي تصر من وحي هيمنتها الاستعبادية القاتلة، أن تنحى إلى ردود الأفعال الانتقامية، بدءا من الاعتقالات الضخمة وصولا إلى مسلسل الاعدامات الأمنية المتعددة، اعتقادا منها أن هذه الطريقة الأمنية العنيفة بيدها أن تجبر ضعفها خصوصا في الفترة الأخيرة”، ويتابع أن ما يحدث هو “نتيجة التدهور في الأبعاد السياسية والاجتماعية، وتتوقع أن هذه الطريقة يمكن أن تساعدها على تقويض المحاولات النهوضية للمجتمع. لكن، النظام لا يدرك أنه بهذا الأداء والسلوك يعاند سنن التغيير التاريخية والإلهية في ساحتي الاجتماع والسياسة”.

الشيخ المحمد علي يرى أن الإعدامات الأمنية التعسفية لم تأت نتيجة محاكمات رصينة وعادلة، بل جاءت كردة فعل سياسية وأمنية لبعض العوامل الداخلية والخارجية المتشابكة والمتداخلة والمترافقة مع تطورات كبرى في المنطقة، خاصة وأن المنطقة متجهة نحو تغيير موازين القوى عبر سقوط محاور وصعود أخرى، مضيفا أنه “بهذه الاعدامات أرادت السلطة أن توصل رسالة متعددة الاتجاهات والأبعاد، وهذه الإجراءات الأمنية -وإن كنا نضعها في سياق الصراع الإقليمي-، إلا أنها تأتي في فترة تحول غير مسبوق يلامس بنيته، وهي من الرهانات الوجودية، والتحديات العسيرة والصعبة، في جملة من عناصر القوة السعودية التي وفّرت لها استقرارا وتماسكا تاريخيا، وذلك بوصفها سلطة عائلية لم تتحول إلى دولة مكتملة النمو بحسب المعايير الحضارية الحديثة.

النظام والتحديات الداخلية والخارجية

أما عن التحديات التي تواجه النظام، يفندها سماحة الشيخ بأنها متعددة، يتمثل “التحدي الأول بإنهاء ثنائية السلطة القائمة على التقسيم المتكافئ لمؤسساتها وحصصها على أجنحة العائلة المالكة، وانحسارها في البيت السلماني الأحادي، وهذا ما أشعل الصراع الداخلي بينهم وفتحه على أفق مجهول”، فيما “التحدي الثاني، يتمثل بإنهاء محمد بن سلمان للتحالف التاريخي بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي، الذي شكل هوية الدولة ورسم مسارها الاستراتيجي، وأعطاها مشروعيتها التاريخية، ومنذ قرر ابن سلمان اعتناق الليبرالية الاجتماعية راح باتجاه مصادمة التيار الديني واعتقال رموز الصحوة وتحييد وتجميد المتشددين في المؤسسة الدينية خاصة المعارضين لسياسياته”.

ويضيف أن “التحدي الثالث، فهو الانتقال بالاقتصاد من الحالة الريعية النفطية إلى الحالة الاستثمارية الانتاجية والذي كان وفق خطة ذات بنية اقتصادية لكنها تطاول الأبعاد السياسية والاجتماعية. وهذه الخطة (رؤية 2030) تكشف معطياتها أنها دخلت في مرحلة الفشل والتدهور وعدم الصلاحية في ظل هذه الأزمة القائمة بين النظام الروسي والسعودي”، متابعا أن “التحدي الرابع، فهو بروز ملفات جديدة مع خطة التحول الوطني، وهي ذات طابع أخلاقي وديني واجتماعي، وهي في سياق الشباب والمرأة والترفيه، ومن يتابعها فهي بنتائجها تصادم المرتكزات الأساسية للدولة وتصادر مشروعيتها، خاصة مع تشكل جيل جديد له تفكيره ومرتكزاته ويتفاعل مع المتغيرات بكل ميادينها، ومن شأن هذا الجيل أن يشعر بالاضطهاد والمظلومية عندما لا يملك فرص للتعبير عن الرأي ولا يلمس دوره في صياغة القرارات والنظم، وهذا الجيل مع التطورات فهو لن يسكت بل سيبحث عن دوره”.

استراتيجية النظام في التعامل الاجتماعي مع الشعب

على الضفة الأخرى، فهناك تحديات خارجية كثيرة يفند الشيخ جاسم المحمد علي، أبرزها المتمثل بالعلاقة مع الحليف الأميركي، وهي علاقة استراتيجية قائمة على أنه يقوم بأدوار وظيفية في المشروع الأميركي مقابل الحماية الأمنية والعسكرية، ومن هذه الأدوار الجماعات الإرهابية وتغذيتها وتمويلها وتفعيلها ضمن الخطة الأميركية في المنطقة، والثاني توفير النفط للمشروع الأميركي، قائلا: “لكننا نجد أن هذه الأدوار تواجه تزلزلا وتراجعا، لأن أميركا أعلنت أنها لن تحتاج للدور الإرهابي، لأنها لن تدخل في حروب عسكرية مباشرة، أما الجانب النفطي، فإن المتابع يجد أن الأميركي سيصل إلى الاكتفاء الذاتي من النفط الصخري وسيستغني عن النفط السعودي. وبالتالي، فإن مكونات الدور الوظيفي يتراجع ما سيخل بطبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن”.

ومن التحديات الخارجية أيضا، إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، والتطبيع الذي يقوده النظام، والتمهيد السياسي لصفقة القرن، وتكوينها وتمويلها، وفق الشيخ علي، ويتابع أن ثالث التحديات يتمثل بتصعيد النظام مواجهته مع محور المقاومة في مختلف الأبعاد والملفات، ولكن فرص النصر العسكري لهذا النظام نبضت كما في اليمن وسورية، كما دخل في فشل ذريع على مستوى العلاقات والسياسة والاستخباراتي كما في العراق لبنان”.

ويجزم بأن المعطيات الداخلية والخارجية تتمدد في تفاصيل ساحات الاشتباكات بين النظام والشعب، على صعيد الأمني والسياسي وتدخل في صياغة القرارات السعودية، ويؤكد أن “هذا يفسر الأزمات المتنوعة التي يفتعلها تجاه الشعب على الصعيد الأمني والسياسي، وكما يقول أحد الباحثين في الشأن السعودي، أن النظام كان يعتمد على سياسة “العصا والجزرة”، بمعنى أنه في إدارة الملفات السياسية والأمنية تتعامل بلغة العنف والقمع وفي الوقت نفسه يغدق في الجانب الاقتصادي، من أجل أن يصادر الحقوق والحريات، ولكن في هذه المرحلة فقد كثف مساحة الاستبداد وقلص العطاء الاقتصادي”.

إلى ذلك، يشير سماحة الشيخ إلى أن “أغلب إعدامات النظام هي من نصيب المكون الشيعي، ولها أسبابها المتعددة، منها أن الانتماء المذهبي للطائفة الشيعية هو في حد ذاته أزمة للنظام، وهو يفسر أسباب المعارضة السياسية بالانتماء للطائفة، من دون أن يعترف بالظلم والفساد والانحراف، والنظام يستخدم التأزيم الطائفي كورقة ضاغطة للإلتفاف حوله”، ويشدد على أن “النظام يدرك أن المنطقة الشرقية تلعب دورا رئيسا في توفير البنية الاقتصادية له، وهذه المنطقة تحمل خبرة متراكمة على صعيد المعارضة والسياسة والحركة، لذلك فالنظام يحاول أن يبرز تخويفا وتهديدا وتخوينا للمنطقة، كي لا تنتقل عدوتها لبقية المناطق”.

وفي رسالة الشيخ المحمد علي إلى الشعب : “في هذه الذكرى يجب الوفاء للشهداء وهذا الوفاء يحتاج أن نكون واضحين وصادقين، وعلينا أن نؤكد عزمنا على الاستمرار في قضيتهم ومسيرتهم، وعلينا استبدال منطق الخوف والتردد بمنطق الشجاعة والاقدام، واستبدال الهزيمة بالتضحية، وأن ننتقل من همومنا الذاتية إلى الهموم الإنسانية الكبرى”، مؤكدا ضرورة أن “لا نسمح أن نحرف بوصلة الصراع مع النظام ونتحول من مواجهة الظلم والطغيان وأن نكون دروعا لهذا النظام”.

الشيخ المحمد علي خلص إلى التشديد على أن “العمل الاجتماعي و السياسي الممانع لم يعد نزهة أو خيار، بل هو تكليف، خاصة إن قرأنا الخطوط الحمراء التي تجاوزها النظام على الصعيد الأخلاقي والسياسي، فالنظام بات يصدر الوباء الأخلاقي والاجتماعي، وهو يخوض معركة ضد قيم الدين والأخلاق”، واتهمه بأنه “جند كل أجهزته الاستخباراتية والإعلامية والثقافية الناعمة حتى يفتت هوية المجتمع الدينية والإيمانية، ويواجه كل نشاط ديني يحاول أن يزرع النهضة والبصيرة في المجتمع، وعلينا أن تكون خياراتنا في الساحة الاجتماعية والسياسية وفق الأولويات التي يقول بها الاسلام والدين والفطرة”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك