النشرةبارزبختم كربلاء

انتفاضة المحرم الممهورة “بختم كربلاء” أحالت “القطيف والأحساء” واحة لمقارعة استبداد آل سعود

واحد وأربعون عاما، ونبض الثورة والانتفاضة لم يهدأ بعد. وفي أرض القطيف والأحساء، لا شك أنه باستمرار وجود المحتل والمستبد، النبض لن يهدأ. منذ فجر الإنسانية والتاريخ، تقارع هذه البقعة الجغرافية الظلم والطغيان والاستبداد، تدفع الدماء ثمناً لبقاء أرضها وعرضها، وردع الحاكم والحكم الظالم القائم بسطوة السيف وكبوة التآمر مع الغربي على البلاد من أجل سرقتها وتجيير خيراتها لمطامع أسرة وسلالتها على حساب أمة بأسرها. لكن الوعي المجتمعي المستلهم من نبض ثورة سبط الرسول الأكرم (ص) لا يمكن لآثاره إلا أن تترجم عبر فعاليات الثورة والانتفاض لرفض كل أشكال الاستبداد، وهو ما ترجمته الانتفاضة المجيدة في العام 1400 للهجرة /1979م.

مرآة الجزيرة – سناء إبراهيم

قبل 41 عاما، خطّت في أرض الجزيرة العربية انتفاضة أرّخها التاريخ والإنسانية جمعاء، حيث خرج أهالي القطيف والأحساء من أحشاء المجالس الحسينية في محرم الحرام، رافعين القبضات وصادحين بالأصوات المؤكدة رفض كل أنواع الاستبداد. ليلة السادس من محرم 1400هـ، كان موعدا لتغيير المشهدية المفروضة بسطوة آل سعود الذين اقتحموا البلاد واحتلوا أرضها، وتعمدوا فرض سياسات انتقامية طائفية شأنها سلب الحرية، فتحرك خطباء الحسينيات وأبرزهم الشيخ حسن الصفار والسيد مرتضى القزويني معلنين تحدي الحظر الرسمي المفروض على ممارسة الشعائر الدينية والحسينية، وبنبض استلهام الكلمات من واقعة كربلاء كان للمجلس العاشورائي الدافع الأول والأكبر في تشجيع المعزين وشحن نفوسهم الأبية من أجل الخروج لإعلان الانتفاض على كل أشكال الاستبداد المفروض من قبل آل سعود وأدواتهم، فامتلأت الشوارع والأحياء في مختلف البلدات واحتشد الآلاف تعبيرا عن رأيهم ورفضهم لكل أشكال الذل الذي يحاول النظام فرضها بقوة السيف والسلاح، سلاح استخدمه في قمع الانتفاضة ومحوها إلا أنه وبفعل دماء الشهداء التي روت الأرض، أرّخ المجد تفاصيل الانتفاضة التي كانت ملهمة للحراك فيما بعدها من أعوام.

الانتفاضة التي ارتفعت رايتها بفعل دماء الشهداء الذين سقطوا على مذبح الحرية والكرامة، لا شك أنها كانت الملهم الأول والشرارة التي أشعلت مراحل ما بعدها من الحراك الذي يؤرق راحة النظام واستبداده وأدواته التي لم تكن ولم تعد ناجعة في دفن حرية الشعوب وحقوقها، وأحقيتها في العيش بكرامة وعزة دونما استبداد وطغيان من أحد. وهو ما جهدت مسيرات الخمسة أيام من الانتفاضة المجيدة أن تثبته وتؤرخه على الرغم من الرصاص الحي الذي أطلقه عناصر العسكرة التابعة للنظام السعودي حين احتشدوا ناحية مركز شرطة القطيف، وتعمّدوا مواجهة الجموع المنتفضة على نزيف الدم الثائر بعد أن اخترقت رصاصات غادرة جسد الشاب حسن القلّاف الذي افتتح عهد الشهداء وكان أول شهيد للانتفاضة المجيدة. النيران والرصاص الحي من فوهات الأسلحة العسكرية أبت أن تكسر عزيمة شعب في عقيدته الأساس مبدأ انتصار الدم على السيف، وانتصار الحق على الباطل، وهو النهج القائم منذ انتصار ثورة عاشوراء الإمام الحسين (ع).

بعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال المنطقة بأسرها تعيش شرارات الإنتفاضة وتبعات تأثيرها على مختلف نواحي المجتمع، الذي  حرمت السلطة أبناؤه من الحق بكرامة العيش ولذته، إلا أن الشعب أبى الانكسار رغم هول المشهد وتبعاته وتفاصيل انعكاساته والتأثيرات التي تولّد منها، أكان داخلياً أم خارجياً خاصة استلهام القوة والدفع من انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م، وكانت لانتفاضة القطيف والأحساء أساس في استنهاض الأمة والمجتمع في مناح الحياة تأثرا بما أرجعته ومنحته الثورة الإسلامية للإسلام الأصيل والشيعة على وجه الخصوص بحقهم بإحياء شعائرهم الدينية التي سلبتها الأنظمة القمعية الاستبدادية المتخذة من الوهابية عقيدة لها للتنفيس عن أحقادها.

اليوم، وبعد هذه الأعوام، لا شك أن انتفاضة المحرم المجيدة تمكّنت من وضع قواعد أساسية لايمكن أن تنسى أو يستهان بها، أسس كانت عمادا لجعل هذه البقعة الجغرافية الممتدة في الجزيرة العربية سبب أرق آل سعود وخوفهم على العرش، وجذع للتفرقة بين الحق والباطل على مر التاريخ، ومن المؤكد أنها أشعلت في نفوس أهالي القطيف والأحساء ثورة دفعت بهم للتحرك ضد طغيان آل سعود المتواصل، ورسمت سيناريو متكامل للبقاء على مقارعة أوجه الاستبداد المتمثل باضطهاد هذه المنطقة وأبنائها وحرمانهم من كل الحقوق الأساسية لهم، فكانت الانتفاضة الثانية عام 2011، امتدادا للانتفاضة المجيدة، وأكد المنتفضون أن صوت الحق يعلو الباطل وأن الاستبداد لا محال ستتم مواجهته بكل الطرق المشروعة، وكانت السلمية والتظاهر والشعارات التي تحاكي الواقع هي السلاح بيد المنتفضين بين انتفاضتي المحرم والكرامة.

على مر السنين، عرفت “القطيف والأحساء” بأنها نبع الثورات والحراك ضد الطغيان، وسجل التاريخ شعارات لأهالي المنطقة التي لم تعرف الذل ولم تنكسر يوماً ولم ترضخ أمام سطوة السيف وقمع السلاح، وبذلت الدماء الغالية من أجل الحفاظ على الأرض فكان للانتفاضتين أن تتميزان بالشعارات والمطالبات والصيغ السلمية والنهج النابع من ثورة غيرت معالم التاريخ وفرضت معاني الإنسانية والانتصار بكل ما يمكن من فرادة  المعنى والهدف والأسليب والسبل، التي ارتبطت بجذور انتصار الحق على الباطل، فكان الأرق السلطوي السعودي دائم ومتواصل، لا يفكه سيف ولا دم ولا اجترار المصائب على أهل القطيف والأحساء، الذين يكابدون معاناة الظلم والاضطهاد من قبل النظام وأدواته، انتقاماً منهم لعدم خضوعهم ورفضهم للهوان والذل، تأسياً بثورة الإمام الحسين (ع) التي تستمر ثمارها ونتائجها إلى اليوم، تأكيدا على انتصارها. ولعل ما عاشه أهالي القطيف والأحساء خلال انتفاضتيهما، كانت مؤشراته تؤكد أن المنافحة عن الحق، أمر لا ريب فيه، وأن الحق يؤخذ ولا يعطى إعطاء، كما أكد نهج سيد الشهداء، وثورته على الظالمين، ثورة عمّدت ثورات الإسلام وجعلتها ممهورة “بختم كربلاء” كما انتفاضة 1400.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى