النشرةبارزتحليلات

جديد النظام السعودي: مسرحية أمنية لحماية “الشيعة” والمدان لا وجود له

,, يتلاقى الخطاب التحريضي، مع ممارسات القوات السعودية ضد أبناء الطائفة الشيعية في القطيف والأحساء. المداهمات شبه اليومية لأحياء القطيف سيما حي الشويكة، والعوامية والبحاري وسيهات وتاروت وصفوى وأم الحمام وغيرها، من المناطق الواقعة تحت مجهر السلطة،،

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

مسرحيّة جديدة يُسوّق لها إعلام النظام في “السعودية” كـ”إنتصار تاريخي”، بطله جهاز الأمن السعودي بالتنسيق مع صبيته في القطيف والأحساء. إنتصار الغفلة هذا جاء بعد قيام أحد الأشخاص بنشر تغريدة فيها إساءة لأبناء الطائفة الشيعية على حد زعم رواية السلطة، ما استدعى استنفار الأمير أحمد بن فهد بن سلمان، نائب أمير المنطقة الشرقية، فسارع إلى تقديم ادّعاء لدى النيابة العامة السعودية ضد صاحب التغريدة، فور تلقّيه الخبر من قبل أحد معاونيه رضا نصرالله، بحسب ما نقلته صحيفة “صبرة” الإلكترونية التي زفّت على مسامعنا الحدث، كما لو أنه فتحٌ إسلاميٌّ جديد.

اللافت في الخبر المزعوم أن التغريدة التي تحمل إساءة لأبناء الطائفة الشيعية، لم يسمع بها أحد بإستنثاء أحمد بن فهد وعضور الشورى السابق محمد رضا نصرالله، فيما بقيت هوية صاحب التغريدة مجهولة ولا حتى ثمّة أي رسم يدل على وجوده. والأغرب من كل ذلك أن النيابة العامة السعودية التي أُوكل إليها مهام الإنتصار الوهمي، لم تصدر بياناً حول الأمر على غرار ما تفعله عند المناوشات المناطقية والقبلية، بل التزمت الصمت كما لو أن شيئاً لم يكن. الأمر الذي يثير الشكوك حول وجود هذه التغريدة من الأصل.

المشكلة ليست هنا، المشكلة تكمن في تصوير الجهاز الأمني السعودي بأنه حريص على حماية الأقليات الشيعة في البلاد، وأنه يتصدّى لكل محاولات التربّص بهذه الفئة. وواقع الحال أن أجهزة السلطات السعودية مجتمعةً هي بمثابة رأس حربة التحريض ضد الطائفة الشيعية. ذلك أن التحريض والتمييز ضد الشيعة يعد أمراً ممنهجاً لدى الأجهزة القضائية والأمنية والسلطات الدينية. فكيف يتم تتبع تغريدة لم يسمع بها أحد، ومعاقبة شخص غير معروف أو بالأحرى غير موجود بالأصل، فيما يتم التغاضي عن عشرات المقالات التحريضية التي تفرزها صحف ومواقع النظام السعودي ضد الطائفة الشيعية ورموزها بشكل يومي؟

صحيفة “عكاظ” مثلاً، بالتزامن مع الإنتصار التاريخي لحقوق الشيعة في البلاد، أصدرت مقالاً اتهمت فيه حزب الله بأنه “أصدر فتوى من المرجعيات الشيعية تجيز المتاجرة بالمخدرات من الناحية الأخلاقية، وذلك في حالة بيعها للزنادقة الغربيين كجزء من الحرب ضد أعداء الإسلام”. الفتوى استُثمرت وفق الصحيفة في “شرعنة تجارة الكوكايين والحشيش والكبتاغون في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأستراليا وأفريقيا وآسيا، ولم يستثن المسلمون والعرب والخليجيون، ويجوز أن هناك فتوى جديدة أضافتهم لقائمة الزنادقة”. وطبعاً لم يفت “عكاظ” زج إيران في الإكتشاف الأسطوري، فزعمت أن أرباحها من المخدرات تقدر بمئات الملايين خلال الشهر الواحد. اللافت هنا أن جماعة الحكومة في القطيف ومنهم رضا نصرالله لم يحركوا ساكناً تجاه هذا الإنتهاك الصارخ الذي يحمل اتهامات جرمية لكبار علماء ومراجع الشيعة، فكيف يُزعم محاربة التحريض من موقع تويتر فيما يتم اقتياده عبر منصات الإعلام المسموم؟ هذا عدا عن الحملات الإلكترونية الممنهجة عبر تويتر التي يتم خلالها نشر محتويات تحقّر من معتقدات الشيعة لخلق شرخ بينهم وبين بقية مكوّنات البلاد.

يتلاقى هذا الخطاب التحريضي، مع ممارسات القوات السعودية ضد أبناء الطائفة الشيعية في القطيف والأحساء. المداهمات شبه اليومية لأحياء القطيف سيما حي الشويكة، والعوامية والبحاري وسيهات وتاروت وصفوى وأم الحمام وغيرها، من المناطق الواقعة تحت مجهر السلطة، تأتي في سياق التضييق غير المبرر على الشيعة، خاصّة وأنه عادةً ما تسفر عن إعتقال أو قتل أفراد لم يرتكبوا أي فعل جرمي، إنما تعود أسباب هذه العدائية الممنهجة إلى حركة الإحتجاجات المطلبية التي شهدتها المنطقة الشرقية عام 2011. ولا تزال السلطات حتى هذا الوقت تعاقب منطقة بأكملها فقط لأنها رفعت صوتها ضد سياسات النظام السعودي التمييزية ضد الشيعة، سواء على المستوى السياسي، والإجتماعي والإداري.

شهر محرم أيضاً، يحمل معه في كل عام الكثير من المعاناة للأقليات الشيعة في البلاد، إذ تنقضّ القوات السعودية الموتورة على المآتم والمضائف الحسينية لتكسيرها واعتقال القيّمين عليها، ثم تعمد إلى نزع الرايات السوداء واللافتات التي تحمل شعارات من وحي كربلاء، بالإضافة إلى مصادرة صناديق التبرعات التي يتم جمعها من الأهالي خلال شهر محرم. كل تلك الممارسات هي جزء من تراث أهالي الشرقية وتعبير محق عن الهوية الشيعية في المنطقة. الجدير بالذكر هنا أن محاولات إطفاء الهوية الشيعية تمتد إلى ممارسات محو التراث المادي الذي تزخر به المنطقة الشرقية من قلاع ومساجد وأحياء أثرية وبحور وبساتين نخيل، كان آخرها تجريف الجزء الشمالي من شارع الثورة وتهجير السكان الأصليين تحت مزاعم تنموية وهمية.

قبل سنوات، أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريراً مؤلف من 48 صفحة تحت عنوان “ليسوا إخواننا”: خطاب الكراهية الصادرة عن المسؤولين السعوديين”. وعبارة “ليسوا إخواننا”، تعود لأحد أعضاء “هيئة كبار العلماء” السعودية، الذي قال يوماً ما خلال جلسة علنية رداً على سؤال بشأن المسلمين الشيعة: “هم ليسوا إخواننا.. هم إخوان الشيطان”. وقدر مرّت عبارته تلك مرور الكرام دون أن تستدعي موقفاً معلناً من قبل القيمين على حفظ حقوق ومصالح الشيعة في البلاد.

المنظمة ذكرت في تقريرها، أن السلطات السعودية تمنح علماء ورجال الدين، الصلاحيات الكاملة للإشارة إلى الأقليات الدينية بألفاظ مهينة أو شيطنتها في الوثائق الرسمية والأحكام الدينية التي تؤثر على صنع القرار الحكومي. وفي السنوات الأخيرة، استخدم رجال الدين والأشخاص التابعين للسلطات السعودية، الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي للتشويه والتحريض على الكراهية ضد فئات دينية تعارضهم الرأي.

بالرغم من الترويج لروايات الإصلاح الديني، لا يزال التحيز المعادي ضد الشيعة واضحاً في نظام العدالة الجنائية والمناهج الدينية لوزارة التربية والتعليم، الأمر الذي يضاعف التمييز ضد المواطنين الشيعة في البلاد. وبحسب المنظمة، كثيراً ما يشير العلماء السعوديين إلى الشيعة بصفتهم “الرافضة” و”الروافض”، ويُحقّرون معتقداتهم وممارساتهم، كما يدينون أيضاً الإختلاط والزواج بين السنة والشيعة. يمتد هذا التحيز المعادي ضد الشيعة إلى النظام القضائي إذ يُخضع الشيعة في كثير من الأحيان لمعاملة تمييزية أو تجريم تعسفي لممارساتهم الدينية ذات الطابع السلمي.

وبالتالي، الإصلاح الحقيقي الذي يحتاجه النظام السعودي لا يتم عبر تظهير مشاهد إنجازات وهمية لإقناع العالم بتغيير الخطاب الديني والسلطوي السلبي ضد الشيعة، إنما بمعالجات جذرية تطال عمق المؤسسات القضائية والدينية والتربوية، ليتم التعاطي مع الشيعة كسائر مكونات الشعب، لا كفئة من الدرجة الثالثة. أما أمثال هذه المسرحيات فهي محاولات تدليسية تتماهى مع “إصلاحات” ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الموهومة، في سياق استدرار المناصب والإكراميات!

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى