النشرةبارزبختم كربلاء

خواطر حول انتفاضة محرم 1400هـ 2/3

,, الشيعة وبسبب السياسة التمييزية التي ينتهجها النظام السعودي ضدهم، كانوا في البرامج المعلنة للدولة روافض مشركون، وبعد أن بدأوا بمقاومة حالات العزل والتهميش جعلتهم الدولة في خانة العملاء لدول أجنبية، فألحقتهم في ستينات القرن الماضي بالبعثية والشيوعية والقومية والطائفية، ثم بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران تدفقت الاتهامات المعلبة(بالقوس الرافضي، الهلال الشيعي،،

الشيخ جاسم المحمد علي

الأوضاع الشيعية قبل الانتفاضة في أدبيات النظام السعودي(1)

حين نحفر في تراث الدولة السعودية، لن نعثر على ما يوحي بأن الشيعة كانوا جزءً من النسيج الوطني، بل على الضد، جرى التعامل مع الشيعة بوصفهم مشكلة: بدأت في مظهرها العام على أنها عقدية، لكن المشكلة بقيت في جذورها سياسية تتبعها إجراءات أمنية واقتصادية وهي التي فجرت ثورة الشيخ محمد النمر عام 1928م؛ بسبب الضرائب الغالية، والتعقيدات الأمنية، والمصادرات الاقتصادية، وظهر في تلك الفترة التاريخية كأن الموقف السياسي رهين للموقف العقدي، لكن الموقفين العقدي والسياسي يعضد كل منهما الآخر، ويؤكدان بشدة سياسات التمييز والحرمان والتهميش الذي بات علامة فارقة في الوضع الشيعي العام.

الشيعة بسبب السياسة التمييزية التي ينتهجها النظام السعودي ضدهم، كانوا في البداية في البرامج المعلنة للدولة هم روافض مشركون، وبعد أن بدأوا بمقاومة حالات العزل والتهميش جعلتهم الدولة في خانة العملاء لدول أجنبية، فألحقتهم في ستينات القرن الماضي بالبعثية والشيوعية والقومية والطائفية، ثم بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران تدفقت الاتهامات المعلبة(بالقوس الرافضي، الهلال الشيعي ..).

كانت هذه التهم مجتمعة أسلحة بيد الحكومة التي تقمع أي تحرك شيعي سلمي، فكلما تقدم الشيعة بمشروع تغييري لظروفهم السياسية البائسة، اتهمتهم الحكومة بسلاح الولاء للخارج..

في هذا السياق التاريخي من طبيعة تعامل النظام السعودي مع المكون الشيعي، انطلقت التجارب النضالية الشيعية كمحاولات متعددة في مراحل مختلفة لتحسين واقعهم السياسي الذي خضع لتطييف السلطة الحاكمة وتمييزها المجتمعي وظلمها السياسي.

طبعا التجارب النضالية كانت مختلفة في ظروفها وسياقاتها وتطلعاتها، لكنها شكلت حلقات متعددة في مراكمة الرصيد التغييري لواقع الظلم والبؤس والحرمان. هذه التجارب في إطارها الإجمالي العام(2)، هي:

1/ تجربة الوجهاء

هي تجربة لم تكن تعبر عن تنظيم اجتماعي واضح المعالم في أطره ومرئياته وأهدافه، وانما هي منبثقة من الإحساس بالخطر على مصالح الطائفة، أملت شكلا من التضامن الجماعي، كانت جزءً من النشاط المطلبي، وقد حققت بعض الثمار، منها: المحكمة الجغرافية، مواجهة الحملات الطائفية، إلى جانب المطالبة بالحقوق الشيعية على المستوى الخدماتي(التعليم، الصحة، الوظائف).

لكن هذه التجربة لم يكن البعد السياسي جزءً من جولاتهم مع النظام السعودي، لعله بسبب انخفاض الوعي السياسي لدى الطبقة المتصدرة للمطالبة بالحقوق والحريات.

وهذه التجربة لم تعتمد آلية منظمة في اعداد المطالب وإدارتها، حيث إن قرارتها ومواقفها كانت في غالبها ردود أفعال على تصرفات الحكومة، وبقي الوضع على هذه الوتيرة إلى أن جاءت الانتفاضة ورفعت من سقف التطلعات إلى الفضاء السياسي، الأمر الذي ألغى عمليا المهمة التقليدية للوجهاء ..

2/ تجربة التنظيمات اليسارية

أحدث انبثاق تنظيمات يسارية من باطن النشاط القوي العربي في الخمسينات والسيتينات تحولا في مسار العمل السياسي للشيعة، لكنها كانت تحتوي على بعض نقاط :

  • كانت تجربة النضال اليساري نخبوية في الغالب، ولم تكن واضحة الالتصاق بالواقع الشيعي في ثقافته وتقاليده …
  • كما إن من الأسباب التي ساهمت في اخفاق التجربة اليسارية، هو كون العناصر المنضوية في تنظيماتها تنتمي في الغالب إلى طبقات معزولة عن التراتبية الاجتماعية المتداولة آنذاك..
  • يمكن ان تسجل للتجربة اليسارية في تلك المرحلة الفقيرة من حيث التجارب والتنظيمات، هي أنها أخذت بزمام المبادرة النضالية في فترة كان السكون يضرب بأطنابه أرجاء المجتمع الشيعي ..

نعم، قد نختلف مع التجارب اليسارية على الصعيد الأيديولوجي، لكن لايصح لنا أن لاننصفها في دورها المساهم في تكوين الحركة النضالية في تاريخ المنطقة الشرقية ..

3/ تجربة الحركة الإسلامية الشيعية

هذه التجربة بدأت مع انتفاضة محرم، وكانت من نتائجها: أنها شكلت زحزحة جذرية للطبقات المجتمعية، وأعادت انتاج تكوين الواقع بصورة جديدة تستند فيها على منظومة قيمية جديدة تعود إلى المبادئ الدينية والإسلامية، تفاعلا مع رياح الثورة الإسلامية في إيران، حيث لم يعد المقام الاجتماعي، ولا الثراء، ولا حتى مستويات التعليم المتقدمة من القيم المبجلة في مرحلة النضال الثوري؛ لأنه كانت رسالة الثورة آنذاك هي أن القيمة الأسمى لمن يحمل هم الإسلام، ووعي مشروعه، والاستعداد الكامل للتضحية في سبيله ..

في تلك المرحلة كانت الجماهير المؤمنة هي الوسيلة الأساسية لعملية للتغيير، ومقاومة الواقع الفاسد وإنتاج البديل الأفضل ..

في هذا السياق تشكلت حركات المعارضة السياسية بصورتها التنظيمية البارزة في المجتمع الشيعي، وهذه المعارضة إذا رصدنا نشاطاتها وأدوارها بصورة بانورامية شاملة سنجد أنها حققت نجاحات عديدة(3): التعريف بالشيعة ومظلوميتهم الدينية والسياسية والاجتماعية، بعد أن كانت مغمورة وغير معروفة حتى لدى بعض المواطنين في الداخل السعودي! حيث أن هذه التطورات أعادت الاعتبار للمجتمع الشيعي ضمن محيطه الداخلي والخارجي، وارتفعت بوعيهم ومكانتهم ونشاطهم السياسي بفعل هذه الانتفاضة متوالياتها، فالمجتمع الذي كان نائما وفاقدا لاشتراطات النهوض والقيام، أظهر في تلك الانتفاضة ومابعدها قدرا كبيرا من الإرادة والتحدي والاستعداد للمواجهة..

كما أن الانتفاصة وتداعياتها لفتت أنظار الشعوب بأن الجماعة الشيعية التي تقطن أغنى منطقة في العالم، وتعيش على أضخم بحيرات للنفط، هذه الجماعة تعيش حالة الحرمان والتمييز والاضطهاد … جاءت هذه الانتفاضة لتضع شيعة المنطقة الشرقية تحت مجهر الأضواء، وفي دائرة الإعلان والتعريف.

طبعا في المراحل المتأخرة وبعد تجربة مريرة حدثت تغيرات لدى بعضهم، حيث بات يعتقد بأن الخيار الثوري، هو خيار طوباوي، ولا بد من الانتقال إلى البرجماتية السياسية، وتعزيز آليات العمل الاجتماعي، بعد أن كانت في تصورهم في المراحل السابقة هي مجرد أقنية مساندة للثورة والمواجهة، فقاموا بفعل هذا التغير في القناعات بتعزيز النشاط الحقوقي، والعمل الإعلامي، وتكوين العلاقات العامة ..

لكن المعارضة السياسية -بشكل عام- إذا أخذنا في الاعتبار الظروف القاسية والصعبة التي تعيشها في محيطها السياسي، ومحاولتها المستمرة لفتح كوة في جدار العقل الاجتماعي الذي لا يمهر الفعل الحركي والنشاط التنظيمي بحكم أوضاعه التاريخية وأنساقه الثقافية، ودورها الرئيس في ظل هذه التعقيدات المتنوعة في انضاج التجربة السياسية المعاصرة، وإخراج الشيعة من الانحصار في المطالبة بالموضوعات الخدمية والاحتياجات الاجتماعية والدينية إلى الإرادة الجادة تحسين وضع الشيعة على الأرض الذي لا يكون إلا بالمشاركة الفاعلة في العمل السياسي واجتراح المبادرات، وصولا الى هذه الفترة التي تكتض بالمتغيرات المتسارعة في الداخل والاقليم وتبدل توازناتها ومعادلاتها…

سيتبدى للقارئ أن دور المعارضة في تلك المرحلة ووصولا إلى هذه المرحلة التي تحمل ظروفا دراماتيكية متحولة- حاجة ماسة بدءً من دورها في إبراز الحرمان السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الشعب، ومرورا بمساهمتها الفاعلة في تشكيل المواقف اللازمة للاحداث والتطورات التي تكشف فضائح النظام السعودي وظلمه واستبداده، وانتهاءً بوظيفتها الفكرية في التنظير والتنضيج للأطر المستقبلية الحبلى بالتغيرات الكبرى في الوضع الداخلي الموصول بشدة بخارطة المنطقة وتحولاتها السياسية …


1/ كتاب: النضال الشيعي في السعودية .. مراجعة أولية
2/ المصدر نفسه
3/ مقالة بعنوان: ملاحظات سريعة حول الانتفاضة المغيبة

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى