النشرةدراسات وبحوث

“رؤية السعودية 2030”: الليبرالية الاجتماعية والتوحش السياسي 2/3

مرآة الجزيرة

من المسلمات التاريخية أن تزاوج السلطتين الدينية والسياسية شيّد بناء النظام في “السعودية”، وبناءً عليه تحققت المعادلة التالية: حافظت الأولى على وجودها في زمن الحداثة الفكرية، أما الثانية فقد استمدت شرعيتها من الأولى لتحقق الإلتفاف الجماهيري المطلوب الذي يقيها أي حركة ثورية تهدد وجودها. وفي حين أن السلطة الدينية كانت أشدّ مراساً في السابق، إلا أنها مع مجيء ولي العهد محمد بن سلمان تخلّت عن تابوهات الماضي، لتظهر فجأة نسخة محدّثة عن الوهابية تتواءم مع تطلعات ولي العهد. وبذلك يكون الدين في البلاد أداةً ووسيلة مهمتها خدمة القرارات السياسية وتنفيذ تعليمات النظام. ومن هذا المنطلق، تطرق عضو اللجنة القيادية في حركة “خلاص” د. فؤاد إبراهيم إلى أبرز التغيرات الطارئة على سلوك السلطة الدينية في “السعودية” بين الماضي والحاضر.

انطلق د. فؤاد إبراهيم من الإشارة إلى أن العلماء والأمراء خاضا لحوالي قرنين ونصف امتحانات وجودية أثبت في الطرفين جدارة فائقة على تجاوز أشد المسائل العالقة، من خلال استنباط السلطة الدينية لأحكام وفتاوى تخدم السلطة الدينية أو في تفسير النصوص الدينية خاصة تلك المغلقة أي غير القابلة للتفسير المتعدد، ويتم ذلك عادةً من خلال التشدّد تارةً أو إبداء مرونة عالية غير معهودة تارةً أخرى. وهكذا يمكن للمرء تفسير وفهم خطابات العلماء التي تتخذ منحى تطرفياً في جميع حالاتها. ببساطة أكثر، قال الباحث، أن إنجاز مهمة التخادم بين مؤسستي العلماء والأمراء على أكمل وجه، اقتضى اتسّاق الخطاب الأيديولوجي للدولة وتناغمه مع شروط وأهداف المرحلة. ففي الوقت الذي تمسّك محمد بن سلمان بالرهان الديني في “رؤية 2030″، فإنّه بشّر بنسخة عن الاسلام تتسم بـ “الوسطية وتقبّل الآخر”، أي قدّم سرديّة محدّثة للإسلام في شكله الوهابي.

وبالتالي، كما يورد إبراهيم، يمكننا فهم الخطاب الديني الجديد المتصالح مع “الرؤية”، فهو خطاب مندغم في حاجات السوق، لأن النسخة الوهابية الأصلية عقيمة وتتنافر جوهرياً مع برامج وأهداف “الرؤية”، ولابد من نسخة مطوّرة تحاكي اللحظة وتعدّل الصورة النمطية التي رافقت “السعودية” منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر بكونها دولة راعية للإرهاب.

في السياق، قارن الباحث بين الإصلاحات النسبية، الإجتماعية والثقافية، خلال عهود الملوك السعوديين السابقين، مبيناً أنها كانت تنطوي على مصادمة مع ثوابت العقيدة الوهابية، والتي بدت، في عهد سلمان، متصادمة مع فتاوى كبار أعضاء هيئة كبار العلماء حول نشاطات هيئة الترفيه والسينما. ولكن النبرة البلاغية المرتفعة لدى علماء الوهابية تفقد زخمها حين يراد لها أن تخوض امتحاناً وجودياً بين الطوبى والمصلحة. على سبيل المثال، رغم التزام المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بالموقف الفقهي الوهابي من السينما، بكونها أداة إفساد ومجون الا أنه بدا متسامحاً إزاء نشاط هيئة الترفيه المعنيّة بافتتاح وإدارة دور السينما في البلاد، إذ دعا “أن يوفق الله القائمين على هيئة الترفيه، وأن يحوّلوها من سوء إلى حسن”. مثال آخر يورده الباحث عن تطويع العلماء لخدمة النظام، في تصريح عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي الشيخ عبد الله المطلق الذي اعتبر بعد أقل من إسبوع على فرض حزمة ضريبية جديدة على المشتقات البترولية في مطلع العام 2018، أن المعارضين للسياسة الضرائب حاقدين يسعون الى “زرع الفتنة والشقاق بين الدولة والمواطنين”.

وعلى كل حال، لفت الكاتب إلى أن المؤسسة الدينية، لا تزال أداة قمع الحرية السياسية، وأنها تمارس سلطتها الروحية لصالح السلطة السياسية في منع المجتمع من نيل حقوقه السياسية. فقد جاء في بيان لهيئة كبار العلماء نشر على حسابها في “تويتر” في 17 حزيران (يونيو) 2017: “من ينتمي إلى ولاءات سياسية خارجية، خرج عن مقتضى البيعة الشرعية، فيجب الأخذ على يده؛ صيانة لوحدة الصف والكلمة”. كما شدد عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء الدكتور صالح بن فوزان الفوزان على أن “الخروج على ولي الأمر يُعَد كبيرة تستحق قتل صاحبها ولو كان مسلماً، عقوبة وتعزيراً وردعاً لأمثاله”.

شاهد آخر من تطويع الفتوى الدينية لخدمة السياسة، أورده الباحث وهو قرار الملك سلمان بتطبيق أحكام نظام المرور للسماح بإصدار رخص القيادة، للذكور والإناث على حد سواء، والذي استند في تشريعه إلى ما “رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء بشأن قيادة المرأة للمركبة.. وأنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة”. في حين أن نفس هؤلاء العلماء كانوا قد أجمعوا على حرمة قيادة المرأة للسيارة، بل اعتبروها باباً من أبواب الشر. كل ذلك يرسّخ الإعتقاد بانحياز العلماء المطلق لامتيازاتهم المادية والخاصة، بتوثيق رباط الاستتباع لقرار السلطة. ولذلك، يناضل علماء المذهب في كل المراحل من أجل انقاذ مصيرهم من الإندحار التام على يد الشريك، وفق إبراهيم.

ورغم كل التنازلات التي قدمها العلماء لكنهم لم ينجوا من حملة إقصاء واعتقالات بررها سلمان وابنه بتنظيف البيت الداخلي من آثار التطرف، وهو الأمر الذي عبّر عنه محمد بن سلمان صراحةً بالقول: “لن نضيع 30 عاماً من حياتنا في مكافحة الأفكار المتطرفة، وسندمرها الآن وعلى الفور”. الحملة شملت تسريع وتيرة عزل آلاف الخطباء وأئمة المساجد والمؤذنين والتي بدأت منذ العام 2003. بالإضافة لإجراءات أخرى تتمثل في تخفيض صوت المكبرات خارج المساجد، وإلغاء قرار إغلاق المحال التجارية في أوقات الصلاة، وتقليص صلاحيات “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وحصر وظيفتها في المجال الرقابي دون التنفيذي، في مقابل إطلاق يد “هيئة الترفيه” التي ورثت صلاحيات ضدّها النوعي “الهيئة” سالفة الذكر، فغدت الأكثف حضوراً في المجال العام. هي مجتمعة عناصر صورة “المملكة الجديدة” كما يحلو لفريق ولي العهد توصيفها، يقول الباحث.

لقد خلف الشيخ ابن عبد الوهاب جيلٌ من أتباعه فسار على نهجه في تكييف الحقائق الدينية مع الواقع السياسي المتغيّر، مع تعزيز التحالف التاريخي والاحتفاظ بمكتسبات السلطة. ظهر ذلك جلياً في قضايا محسومة في الفقه الشرعي الوهابي مثل: تعليم البنات، والتصوير، والموسيقى، وتحكيم القوانين، وحلق اللحى، واللباس العصري، والاستعانة بالكفار، والبنوك الربوية، ونظام التجارة، ونظام الشركات، ونظام المرور، ونظام الموظفين”. وفي النتيجة، خلص الكاتب إلى أن السلطات السعودية نجحت في تطبيق ما تشاء من قرارات، وكان على علماء الوهابية بذل جهود استثنائية للحفاظ على الإمتيازات الموروثة، والتعايش مع متغيرات لا يمكن خنق تأثيراتها الإجتماعية، والسياسية، والأيديولوجية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى