النشرةبارزدراسات وبحوث

دراسة: الحرب النفطية 2020 ومستقبل العلاقات الأمريكية السعودية

،، الحروب النفطية التي شنتها “السعودية” جميعها كانت تصب في خدمة الولايات المتحدة الأمريكية. ففي عام 1986 ومع صعود منتجين نفطيين جدد من خارج منظمة أوبك كألاسكا والمكسيك وبحر الشمال، قررت “السعودية” رفع إنتاجها وتخليها عن التسعير الرسمي وتبنّي آلية التسعير الفوري، ما أدى إلى غرق السوق العالمية بالمعروض وبالتالي انهيار الأسعار،،

مرآة الجزيرة

شهد عام 2020 الحالي جملة من التحولات والأحداث بما في ذلك الحرب النفطية وفايروس “كورونا”، انعكست بطبيعة الحال على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مختلف دول العالم. وقد كان للـ”سعودية” نصيب من الترديات التي طالت اقتصادها المحلي، ما أدى إلى تكبيد البلاد خسائر كبيرة فضلاً عن تزعزع علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية. وهو الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات حول خلفيات حرب النفط التي شنتها “السعودية” في آذار الفائت، ومصير علاقات الرياض مع واشنطن في ظل تعاظم قدرة الأخيرة على إنتاج النفط. وفي الإجابة على هذه التساؤلات، صدرت عن المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق دراسة الإعلامي المتخصص في الشأن السعودي الباحث علي مراد، تحت عنوان: “الحرب النفطية 2020 ومستقبل العلاقات الأمريكية السعودية”.

انطلق الباحث من جملة إشكاليات، تتمحور حول أثر انهيار أسعار النفط على العلاقات السعودية الأمريكية، في وقت احتدام المواجهات بين الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي وحلفائهما الخليجيين من جهة ومحور المقاومة من جهة أخرى. ثم عرج إلى استشراف القرار الأمريكي حيال علاقته بالسعوديين في ظل موقعية السعودية التي تعني الجانب الأمريكي بعدة ملفات أهمها أمن الطاقة وأسعارها عالمياً.

في محاولته تفسير خلفيات حروب النفط، ذهب الكاتب إلى الحروب النفطية التي شنتها “السعودية” مبيناً أن جميعها كانت تصب في خدمة الولايات المتحدة الأمريكية. ففي عام 1986 ومع صعود منتجين نفطيين جدد من خارج منظمة أوبك كألاسكا والمكسيك وبحر الشمال، قررت “السعودية” رفع إنتاجها وتخليها عن التسعير الرسمي وتبنّي آلية التسعير الفوري، ما أدى إلى غرق السوق العالمية بالمعروض وبالتالي انهيار الأسعار. حرباً نفطية أخرى شنتها “السعودية” أيضاً كما يورد الكاتب، كانت أواخر 2014، عبر إغراق السوق العالمية بالإنتاج لتهوى الأسعار إلى أدنى مستوياتها حتى الوصول إلى اتفاق “أوبك بلاس”، بين روسيا و”السعودية” في تشرين الثاني 2016.

حرب آذار النفطية 2020

يذكر مراد أنه عام 2016 حين كان الإنتاج النفطي السعودي ينخفض تدريجياً وصولاً إلى اتفاق “أوبك بلاس” مع روسيا في تشرين الثاني من العام نفسه، مصحوباً بزيادة كبيرة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي خلال الفترة نفسها. الأمر الذي ساهم في دفع “السعودية” إلى التفكير بأن دورها المؤثر كمورد استراتيجي للنفط في العالم قد تم تقويضه بسبب الإرتفاع المستمر لإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة. وتتمّثل إحدى طرق إعادة فرض التفوق السعودي نفطياً في السعي للحصول على حصة أكبر من السوق العالمية، عبر خفض الأسعار وضرب إنتاج المنافسين الذين يدفعون تكاليف أعلى لإنتاج نفطهم، رغم الأضرار قصيرة الأجل التي تسببت بها حرب الأسعار، وفق الكاتب.

وفي 8 آذار عام 2020 أعلنت “السعودية” عن تخفيضات غير متوقعة في أسعار النفط تتراوح بين 6 و8 دولار للبرميل للمستوردين في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة. هذا الإعلان، أحدث وفق ما يؤكد مراد، جملة من الترديات الإقتصادية على المستويين المحلي والعالمي، بما في ذلك انخفاض حاد في أسعار النفط وعواقب أخرى في ذلك اليوم، حيث انخفض خام برنت بنسبة 30 بالمئة، وهو أكبر انخفاض منذ عام 1991 إبان حرب الخليج، كما انخفض مؤشر غرب تكساس الوسيط WTIوهو فئة من النفط الخام المستخدم كمعيار في تسعير النفط، بنسبة 20 بالمئة. فيما سجلت أسواق الأسهم العالمية خسائر كبيرة في جميع أنحاء العالم، امتدت آثارها إلى خارج أسعار النفط وأسواق الأوراق المالية.

الباحث علي مراد

الباحث المتخصص في الشأن السعودي، ذكر أن بعدما وصلت أسعار النفط إلى أدنى مستوى لها خلال 17 عام، اتصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في ظل ضغوط داخلية كبيرة مورست عليه، وهدّد بسحب الدعم العسكري الأميركي إذا لم تخفض منظمة “أوبك” وحلفائها إنتاج النفط. وفي اليوم التالي، أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الطاقة ألكسندر نوفاك بإعداد إجتماع استثنائي لـ”أوبك” وأعلن أن الإنتاج العالمي يمكن خفضه بمقدار 10 ملايين برميل يومياً. وقد ارتفعت أسعار النفط مباشرةً عقب إعلان بوتين، ولكن حتى مع خفض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل يومياً، قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن مخزونات النفط العالمية سوف تزيد بمقدار 15 مليون برميل يومياً.

مع انهيار أسعار النفط كان رد الفعل الأولي للرئيس دونالد ترامب هو الثناء على انخفاض الأسعار واستفادة المستهلكين من هذا الإنخفاض، يقول الباحث، لكن مع ظهور تأثير انهيار الأسعار على قطاع النفط المحلي، تحولت النبرة في واشنطن مما حفّز مجموعة من المقترحات السياسية التي عكست حالة اليأس والإحباط في قطاع صناعة النفط الأمريكي، وقد عبّر أعضاء الكونغرس عن غضبهم تجاه ما أقدم عليه السعوديين. كما أن المقترحات التي قدمها ساسة أميركيون عكست حالة التخبط في صنع القرار السياسي في واشنطن كون الولايات المتحدة هي المستهلك والمنتج الأول للنفط في العالم. وكان موقف الرئيس الأميركي محرجاً بالنسبة له في عام الإنتخابات، فقد كان مضطراً لمحاباة مصالح المستهلكين الأمريكيين، عبر تشجيع الأسعار المنخفضة لكسب رضا المواطنين المصوتين. وفي نفس الوقت خدمة مصالح منتجي النفط الأميركيين، عبر تجنب الأسعار المنخفضة، وهم في أغلبهم يمولون الحملات الإنتخابية للحزب الجمهوري بشكل رئيسي.

وفي 23 آذار أعلن وزير الطاقة الأمريكي دان بروليت أن وزارته تجري محادثات مع “السعودية”، لدراسة عدد من الخيارات منها تأسيس تحالف نفطي أميركي سعودي. وقد ذكر هذا الإقتراح بتأسيس التحالف في رسالة إلى وزارة الخارجية، بعث بها أعضاء في مجلس الشيوخ يمثلون ولاية منتجة للنفط، طالبوا فيها بأن تترك السعودية منظمة “أوبك”، مع التلويح بالعقوبات وإيقاف الدعم الأمريكي لحرب اليمن، بحسب مراد.

الإنعكاسات على الرياض

ينتقل الكاتب في هذا الصدد للإشارة إلى ردة فعل الرياض بعد التهديدات الأمريكية، موضحاً أنه حين كانت الرياض ترزح تحت وطأة الآثار المدمرة لإنهيار أسعار النفط على خططها وموازنتها، وفي ظل اتخاذ قرارات تقشفية أبرزها إيقاف صرف بدل غلاء المعيشة، ورفع نسبة ضريبة القيمة المضافة من 5 بالمئة إلى 15 بالمئة، طلبت صفقات سلاح مع الأمريكيين، في خطوة تتناقض تماماً مع التوجّه الرسمي للتقشّف. اللافت أيضاً أن “السعودية” قررت في 11 أيار تقليص إنتاجها من النفط الخام لشهر حزيران بقدر “طوعي”، إضافي يبلغ مليون برميل يومي مضافة إلى التخفيضات التي تعهدت بها المملكة بموجب اتفاق “أوبك”. وبهذا القرار يكون إجمالي تخفيضات الإنتاج النفطي السعودي عقب نهاية الحرب النفطية قد وصل إلى حوالي 4.8 ماليين برميل يومياً.

الرؤية الأمريكية لمستقبل العلاقة

وفي حديثه عن مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية، رأى مراد أنه رغم إجماع الأميركيين على انتقاد “السعودية” بشكل عام على خلفية سياساتها وقرارات قيادتها في السنوات الأخيرة، إلا أن هناك نسبة إجماع على الحفاظ على التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة و”السعودية” بشأن قضايا يصنفها الأميركيون كملفات تؤثر على الأمن القومي الأمريكي مثل مكافحة الإرهاب، أسعار النفط عالمياً، الصراع مع الصين، العلاقات المتصاعدة بين الرياض وتل أبيب، مبيناً تيارين أساسيين ينقسمان حول مصير العلاقات بين البلدين. الأول، يقترح تصحيح مسار العلاقة أما الثاني فيطرح إعادة التفكير بالعلاقة. يؤمن أنصار تيار التصحيح من الجمهوريين والديمقراطيين بما يرونه “الأهمية المستمرة” للعلاقات الأميركية السعودية الوثيقة، نظراً لتأثيرها على المصالح الأميركية. ويعتقد هؤلاء أن الولايات المتحدة يمكن أن تعّزز نفوذها لتعيد تشكيل السلوك السعودي، بما في ذلك سلوك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في سياق شراكة يعاد إصلاحها. أما أنصار تيار إعادة التفكير بالعلاقة الذين ينتمون أيضاً إلى كلا الحزبين، فيجدون أنه ينبغي إعادة التفكير الجذري بالعلاقة الأميركية مع “السعودية”، ويقترحون تغييرات أكثر جوهرية. وبالنظر إلى سلسلة من الأخطاء السعودية، بدءً من الحرب على اليمن، إلى اعتقال رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، إلى حصار قطر، إلى سجن رجال الأعمال والأمراء في فندق الريتز كارلتون في الرياض، إلى الخلافات مع كل من كندا وألمانيا، إلى اختراق موقع تويتر والتجسس على المعارضين، وصولاً إلى حرب أسعار النفط. بالنظر إلى كل ذلك يرى منظّرو هذا التيار أن الشراكة مع “السعودية” باتت غير موثوقة، وعفى عليها الزمن، بل إنها تخاطر بتوريط الولايات المتحدة في مزيد من الصراعات وربما حروب جديدة في الشرق الأوسط، وفق الدراسة.

وينبّه الباحث إلى أن أنصار تيار إعادة التفكير يطالبون بالتوقف الفوري عن توفير الدعم العسكري الأميركي للحرب التي تقودها “السعودية” في اليمن، ويدافعون ليس فقط عن إعادة النظر بالتعاون الأمني معها بل وأيضاً عن إيقاف مبيعات الأسلحة لها، لافتاً إلى أن هذا التيار يستعمل خطاب المصلحة لدعم فكرته، فهو يركز على حقيقة أن واشنطن لم تعد بحاجة إلى النفط الخليجي، وينطلق من حقيقة أن الولايات المتحدة كانت أكبر منتج للغاز الطبيعي والنفط في العالم بين كانون الأول 2018 وآذار 2020، وهي استوردت ما نسبته 15 بالمئة فقط من حاجتها للنفط من الخليج.

بالتالي، يرى مراد أن هذه الطروحات لا تعجب أنصار فريق تصحيح العلاقة الذي ينظر إلى “السعودية” على أّنها لا تزال مهمة بالنسبة لواشنطن من بوابة النفط. ويحاجج هؤلاء بأن “السعودية” بحكم تزعمها لمنظمة “أوبك”، والحروب النفطية التي شّنتها في السنوات الماضية باستطاعتها أن تخدم الصين من خلال أسعار النفط المتدّنية. ويسعى الأميركيون إلى إعاقة نمو الإقتصاد الصيني الذي يتأثر حكماً بأسعار النفط. ومن هذا المنطلق تحاول واشنطن دفع الرياض لرفع الأسعار لسببين: الأول داخلي للحد من خسائر قطاع النفط الصخري المهم لترامب في عام الإنتخابات، والثاني والأهم لزيادة التكاليف على الصين المستهلك الأكبر للنفط عالم.

الخلاصة

وخلص الباحث إلى أن السعوديين دائماً يبادرون لنسج علاقة مع كل إدارة جديدة تدخل البيت الأبيض وكان هذا رأي السفير السعودي الأسبق في واشنطن بندر سلطان سابقاً، وهو ما تحدثت عنع ابنته مؤخراً، السفيرة السعودية الحالية في واشنطن، ريما بنت بندر. الأكيد وفق مراد أن الرياض ستكون مضطرة إلى دفع المزيد من الأثمان كما فعلت مع بداية ولاية ترامب عام 2017، مع اضطرارها للقبول بالترويض الأميركي لها، ما يعني بطبيعة الحال ضبط آداء محمد بن سلمان. هذا الترويض والضبط يتحّدث عنهما الديمقراطيون بشكل واضح في تصريحاتهم وعند حديثهم عن تصورات المرشح الديمقراطي جو بايدن بمستقبل العلاقات الأمريكية السعودية، في حال فوزه في الإنتخابات. بمعنى أوضح، يورد الكاتب من المتوَّقع أن يقوم بايدن بتحرير قيود البيت الأبيض على ضغوطات الكونغرس على القيادة السعودية، فمن غير المرجح أن يستعمل الفيتو لإسقاط مشاريع قوانين من شأنها أن تضبط سلوك ابن سلمان، لدفعه إلى تعديل سلوكه ضمن السقف الذي يناسب مصالح الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض. والأمر ينسحب أيضاً على مبيعات السلاح الأميركي، حيث أكَثر بايدن من تصريحات تؤكد على إيقاف صادرات السلاح الأميركي إلى “السعودية” بحجة الإنتهاكات السعودية في اليمن.

للاطلاع على ملف الدراسة كاملاً ملف PDF

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى