النشرةبارزتقارير

يوم أدّى سلمان رقصة السيف لشاه إيران وانحنى ذليلاً.. 

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

لم يكن استقبال محمد رضا بهلوي عادياً في “السعودية”، فقد أبدى له أمراء آل سعود وعلى رأسهم ملكهم فيصل أقصى تعابير الغبطة والسرور. من فرط حماسه، راح سلمان بن عبد العزيز الذي كان يومها لم يزل أميراً، يتبختر أمام آخر السلالة الشاهنشاهية في إيران. فأدى له رقصة السيف متمايلاً على جانبيه وحوله العشرات من الأمراء الذين لم يألوا جهداً في إبهاج ضيفهم بالرقص والغناء والتطبيل والتزمير.  

في عهد الشاه، كانت إيران الدولة النموذجية بالنسبة للـ”سعودية”، بل كان ملوكها وأمرائها يتنافسون لإسترضاء محمد رضا. كانوا أيضاً يقفون بالصف على بوابات العبور إلى إيران لتمضية الليالي الحمراء في الملاهي والمراقص والخمّارات التي كان الشاه يرعاها ويشجع على انتشارها في سياق سياسة علمنة البلاد وتغريبها. يومها لم يكن “للسعودية” مشكلة مع إيران، ولا مع المذهب الشيعي عامةً، ولم تكن طهران بلداً راعياً للإرهاب بالمنظار السعودي، إنما عاصمة الحب والجمال والسلام.  

طهران هذه، تحوّلت ما بعد انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، إلى بلد يهدّد أمن واستقرار المنطقة، ويروّج للتطرف، بالمنظار السعودي نفسه. إزدواجية مفرطة لم تمنع محمد بن سلمان أثناء الترويج لرؤية 2030، من تنصيب نفسه مخلصاً ليعيد إلينا “الإسلام المعتدل والمنفتح” الذي غيّبته إيران منذ 40 عاماً. وللحق، لا يلام الرجل، فبالفعل قد حرمت إيران أسلافه من الليالي الحمراء فاضطروا لقطع مسافة أبعد للوصول إلى أوروبا. وها هو اليوم يأتي بالفجور إلى بلاده تحت يافطة “الإسلام المعتدل”. 

من المعروف عن “السعودية” أنها لا تستقبل بالرقص والطبول إلا ضيوفها المميزين، ويوم زارها شاه إيران استقبلته بفرح منقطع النظير لأنه كان شرطي أميركا الأول في المنطقة، وصبياً مطيعاً لدى الإستكبار يقود بلاده بإحتراف نحو التصهين والتغريب والإنهيار. هذا سرّ افتتان السعوديين بالحاكم الشيعي الذي لم يكن خطراً داهماً على الإسلام، إنما “ممثلاً” له. ولذلك كان حين يزور الرياض يركل أبواب الملك السبعة ويدخل قصره ممشوق الهامة، متبختراً كالطاووس في أرجائه. 

سببٌ آخر يكمن وراء الغزل السعودي لإيران، إنه خطر التيار الناصري الداهم. خطرٌ سرّعت وتيرته حرب اليمن، التي كانت سبباً رئيسياً في صناعة الحلف السعودي الإيراني خلال ستينات القرن الماضي. ومردّ ذلك إلى سبببين، الأول هو حساسية ملك الرياض المفرطة تجاه الثورات كما نظيره في طهران، خشية أن تُهدم العروش بأي لحظة. والثاني هو الرغبة في السيطرة على اليمن ومنع توغّل النفوذ الناصري فيه.  

وفي هذه الأثناء، تحديداً عام 1965، زار الملك فيصل طهران وبذل جهوداً مضنية للتعاون مع الشاه بغية تشكيل تحالف إسلامي لمواجهة المشروع القومي الذي كان يقوده جمال عبد الناصر. وقد تقاربت العلاقات في ما بعد بين البلدين بشكل غير مسبوق إلى حد أن الملك فيصل أطلق على الشاه لقب “أمير المؤمنين”، متمنياً أن يفوّض إلى الملك إدارة شؤون المسلمين.  

لكن مع هزيمة عبد الناصر في حرب اليمن، ثم تعرض الجيش المصري لهجوم شرس من قبل الكيان الإسرائيلي عام ١٩٦٧، بدأت العلاقات السعودية الإيرانية تتراجع، إذ صبّت كلا الدولتين اهتمامها في كيفية بسط نفوذها على الخليج، في ظل انسحاب بريطانيا من الخليج بشكل تام. ثم خفت حماس البلدين خاصة مع بدء انهيار حكم شاه إيران، حتى انتصرت الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني عام ١٩٧٩، ومنذ ذلك الحين لفّ العلاقات طابع جديد يتماهى مع الموقف الأمريكي الصهيوني من إيران الخمينية، التي غيّرت مسار التاريخ.

هنا حشد آل سعود، أدواتهم العلمائية، والإعلامية، لشن حرباً شرسة ضد إيران، ولكن من دون إطلاق نار. إنها حرب التضليل وتحريف التاريخ، وتزوير الحقائق، التي تبث التفرقة والفتن بين المسلمين وتدفعهم للإقتتال. فعملت الرياض على شيطنة الثورة الإسلامية وتكفير المذهب الشيعي، وإخراج الشيعة من الإسلام ونعتهم بالصفويين والمجوس. بطبيعة الحال، وجدت أمثال هذه الأكاذيب من يتبناها وينبري للدفاع عنها أكثر من أصحابها. وهكذا، سارت الحرب الإعلامية ضد المذهب الشيعي في خط مواز للتطورات السياسية والعسكرية التي كانت تشهدها المنطقة. ففي عام ٢٠٠٦ مثلاً، بينما كان الشعب العربي مفتوناً بالإنتصار الذي حققه حزب الله في حرب تموز، انشغل علماء الديوان الملكي في “السعودية” بشيطنة الشيعة واعتبارهم مجوس خارجين عن الإسلام. وحين بدأ محور المقاومة يتصدّى للتنظيمات الإرهابية في سوريا ولبنان والعراق، استنهض علماء “السعودية” العصبيات المذهبية، وشنّوا حملات ممنهجة ضد رموز الثورة الإسلامية ورموز المذهب الشيعي ومعتقدات الشيعة، لم يخفت سعيرها حتى اليوم. فضلاً عن التضييق الممنهج على أبناء الطائفة الشيعية في القطيف والأحساء، خصوصاً بعد الحراك الذي شهدته المنطقة مطلع عام ٢٠١١، إذ شنت السلطات السعودية حملات إعلامية شرسة ضد المكون الشيعي في البلاد بالإدعاء أنهم ينفذون مخططات إيران، فجيشوا بقية المكونات الشعبية ضدهم وبدلاً من أن يجني الحراك حقوقاً إجتماعية وسياسية ينعم بها الجميع، انحرف المسار نحو مكان آخر، سيما بعد عزل الشيعة شعبياً وتضييق الخناق على الناشطين.

لفهم أي موقف سعودي، لا بد من مقاربته بالتوجه السياسي العام للولايات المتحدة وحليفتها “اسرائيل”، “فالسعودية” أضعف من أن تتخذ موقفاً ما ينبع من مصلحتها الذاتية بصورة تامة إذا لم تختمه واشنطن. وغالباً ما تكون واشنطن هي محرّك هذا الموقف أو حتى المستفيد الرئيسي منه. طبعاً من مصلحة واشنطن أن يستمر الإقتتال بين المسلمين، من منطلق مبدأ فرق تسد، أما بالنسبة لحكام آل سعود فمن مصلحتهم أيضاً تنفيذ جميع إملاءات أميركا ليبقوا على عروشهم. لكن هذا لا يعفي الرياض من جرم الإساءة للمذهب الشيعي ورمي مئات الآلاف من شباب المسلمين في محرقة المعارك الوهابية ظناً منهم أنهم يدافعون عن الإسلام وهم أشد أعدائه. بل هذا عماد “السعودية” وركنها الذي بنيت عليه. وبالتالي، نجحت من خلاله في حشد العصبيات الطائفية للحفاظ على الحكم السعودي في الداخل، وتأمين غطاء لها في العالم الإسلامي، تستطيع أن تستثمره في المعارك التي تريدها متى ما شاءت.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى