النشرةبارزدراسات وبحوث

تاريخ الإسلام و التشيع شرقي الجزيرة العربية (البحرين التاريخية) 2/3

مرآة الجزيرة

بعد أن كانت بلاد البحرين التاريخية تتمتع بمزايا سياسة وإقتصادية على درجة كبيرة من الأهمية، بدأت تخسر مزاياها شيئاً فشيئاً حتى فقدتها بالكامل نتيجة التغيرات الجيوبوليتيكية التي أجراها معاوية بن أبي سفيان في العالم الإسلامي. فحين تغيرت عاصمة الدولة الاسلامية وانتقلت من المدينة الى الكوفة، ثم الشام تغيرت مراكز الاستقطاب وخصوصاً في ظل اتساع خارطة الدولة الاسلامية بفعل الفتوحات العسكرية التي حققها المسلمون منذ عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وتدريجياً اصبحت البحرين من المناطق النائية. وفي هذا الإطار تحدث الكاتب والباحث السياسي د. فؤاد إبراهيم في كتابه “الأصول الدينية والسكانية في البحرين التاريخية” عن التحولات السياسية والإجتماعية التي عايشتها البحرين.

حين استولى معاوية على الحكم، يقول إبراهيم أجرى تغييرات في ميزان القوى بعد انتزاعه الخلافة من الإمام الحسن (ع) عقب إجراء معاهدة الصلح عام 41هـ، ففي تدبير إداري ومالي أخذ معاوية أصفهان من أهل البصرة ودفعها إلى أهل الكوفة، وأخذ البحرين وعمان من أهل الحجاز فأعطاها أهل البصرة مكان أصبهان.

هذه التدابير، وفق الكاتب أدت في مجملها إلى إزاحة البحرين عن موقعها الاستراتيجي ونقلت الاستقطاب الى مواقع اخرى تبعاً للتبدلات الجوهرية في مراكز الاستقطاب السياسي. وبالتالي تحولت البحرين إلى مكان للمنفى، بسبب عاملين رئيسيين:

الأول، وهو تنوّع مصادر الدخل وانكسار احتكارية البحرين المالية، إذ صار ثابتاً منذ بداية الدولة الأموية، تنوع وتعدد مصادر دخل الدولة، فلم تعد البحرين هي المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لدولة المسلمين، وانما وجدت مصادر اخرى جديدة اكثر ثراءً. أما الثاني، فهو مشايعة الإمام علي ومناوئة خصومه، إذ بات ثابتاً أيضاً، أن البحرين أصبحت من المناطق الموالية للامام علي (ع) وظهر ذلك بجلاء في حروبه الثلاثة، وقد أثبت أهل البحرين أنهم شديدو الولاء لأهل البيت النبوي وللامام علي (ع)، ولهذا كان الاجتهاد في تحصيل ولاء اهلها عملاً عابثاً ومضنياً. هذان السببان الرئيسيان، بحسب تقدير الباحث، جعلا من البحرين منطقة مهملة سياسياً وخارج اهتمام مؤسسة الخلافة، مما أضفى عليها شكلاً من اشكال التعتيم.

كانت البحرين من المناطق التي ظلت مرشحة لأن تكون جزءً من مناطق التمرد التي يراد منها أن تتحول الى المساحة السياسية القابلة لأن تستوعب في مساحة الدولة المراد اقامتها كما جرى في حركة ابن الزبير. ويضيف إبراهيم، بل قد نجد صراعاً بين قادة المعارضة أنفسهم على الإحتفاظ بالبحرين ضمن مناطق نفوذهم. ففي عام 71هـ تحول ابو فديك عبد الله بن ثور بن قيس بن ثعلبة الى البحرين، فوجّه اليه مصعب بن الزبير عبد الرحمن بن الاسكاف فالتقوا بجواثا، فانهزم عبد الرحمن وأهل البصرة.

ويلفت الكاتب هنا إلى أنه كانت للأمويين صولات وجولات ناحية البحرين التي عبروا منها الى فارس أو عملوا على احتوائها داخل دولتهم، وكان للامويين عليها من الولاة البارزين الاقوياء، الا أن سلطانهم السياسي لم يتوفر على الاستقرار في البحرين، لتشيع اهلها وولائهم لآل البيت النبوي (ع)، ولبعد البحرين عن مركز الخلافة. كما خاض العباسيون فيها المعارك ولحق بأهل البحرين الاذى من الخلافة وعمالها، إضافة الى الأذى الذي يلحق بالأهالي بفعل تراخي السلطة المركزية وتهافتها، الأمر الذي أعطى للولاة المحليين فرصة ممارسة دور الخليفة والحاكم المستبد والشمولي في المناطق الخاضعة لنفوذه، والتي يقصر فيها ذراع السلطة المركزية.

حركة الزنج

يذكر الكاتب أنه في سنة 255هـ، ظهر رجل في البصرة من البيت العلوي اسمه علي بن محمد بن احمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن ابي طالب، وجمع اليه الزنج وغبره بهم دجلة فنزل الديناري. وقد شخص علي بن محمد من سامراء سنة 249هـ الى البحرين، وقدّم نفسه الى أهلها “ودعا الناس بهجر الى طاعته، واتبعه جماعة كثيرة من أهلها” كما يقول الطبري ثم جرت معارك بين مؤيدي حركته ومعارضيها، فاضطر للانتقال الى الاحساء فكان مقامه في حي بني تميم ثم من بني سعد، يقال لهم بنو الشماسي. وكان أهل البحرين اعربوا عن تعاطفهم ومآزرتهم لحركة هذا الرجل العلوي لقرابته من رسول الله (ص) وأهل بيته، كما عاهدوه على السمع والطاعة وأمدوه بالمال والرجال.

حركة القرامطة

وقد شهدت البحرين أيضاً حركة القرامطة وهم فرقة من الشيعة الإسماعيلية المباركية، قالوا بأن الامام بعد جعفر الصادق (ع) هو محمد بن اسماعيل بن جعفر وهو الامام القائم المهدي، وهو رسول حي لم يمت وانه في بلاد الروم وانه من اولي العزم، أنشأوا دولتهم في البحرين ثم توسعوا غرباً حتى وصلوا بلاد الشام سنة 288هـ وما اختيارهم للبحرين الا لكون اهلها من شيعة اهل البيت. تميزت حركة القرامطة عن حركة الزنج، أنها كانت أكثر تماسكاً وأقوى تنظيماً، وأشد تسليحاً بحيث استطاعت أن تعطّل مخططات الدولة العباسية. وبحسب الباحث، جرت وقائع ومعارك دامية وحروب عصابات بين جيش القرامطة وخصومهم منها ما جرى في عام 290هـ، حيث أسرف الطرفان المتحاربان في القتل، وسفك الدماء والسبي، وقد ذكر في وقائع المعارك مع القرامطة سنة 290هـ أنه ورد كتاب من البحرين من اميرها ابن بانوا يذكر فيه أنه كبس حصناً للقرامطة فظفر بمن فيه ولثلاث عشرة خلت من ذي القعدة منها، ورد كتاب من ابن بانوا من البحرين يذكر فيه أنه واقع قرابة لأبي سعيد الجنابي، وولي عهده من بعده على اهل طاعته، فهزمه.

وفي سنة 325هـ، ضعفت السلطة المركزية في زمن الخلافة العباسية فنشطت سلطة الأطراف، حيث بدأت الاوضاع السياسية تنشق عن دويلات صغيرة، عبر عنها بالطوائف، فصارت أواسط البصرة والاهواز في يد البريدي، وفارس في يد علي بن بابويه، وكرمان في يد ابي علي بن الياس، والري واصبهان والجبل في يد ركن الدولة ابي علي بن بويه، وشمكير والموصل وديار ربيعة وديار بكر في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، والمغرب وافريقية في يد ابي تميم، والاندلس في يد الاموي، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد وطبرستان وجرجان في يد الديلم، واليمامة والبحرين في يد ابي طاهر الجنابي، وفق الكاتب.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى