النشرةبارزدراسات وبحوث

تاريخ الإسلام والتشيّع في شرقي الجزيرة العربية (البحرين التاريخية) 3/3

مرآة الجزيرة   

ساد حتى مطلع القرن العشرين، رأي يقول إن التشيّع فارسي المنشأ، أما التسنن فعربي. يستند أتباع هذا الرأي على النتائج التي توصل إليها الرحالة الغربيون، الذين استعملوا هذا الرأي لتفسير الوقائع الإجتماعية والسياسية في المنطقة. وفي سرد علمي تحليلي دحض الكاتب والباحث السياسي د. فؤاد إبراهيم في كتابه: “الأصول الدينية والسكانية في البحرين التاريخية”، المزاعم التاريخية السائدة حول أصول التشيّع، مبيناً الأصول العميقة للتشيّع في البلاد العربية، سيما في البحرين التاريخية.  

استعرض الباحث آراء الباحثين الغربيين الذين تبنوا هذا الرأي، أمثال الرحّالة الدانماركي نيبور الذي رسم صورة لطبيعة العلاقة بين العرب الذين يعيشون على الساحل الغربي والفرس على الساحل الشرقي من الخليج. هذه الصورة ترجمت وفق الباحث، في هيئة عبارات تحمل تحريضاً إلى جانب التسليمية المطلقة من قبيل “هؤلاء العرب هم السنة. إنهم يعتبرون الفرس، أي الشيعة، مورد مقتهم ولذلك تحاشوا أي تحالف معهم”. إن الكراهية المتبادلة، على حد نيبور بين المذهبين كانت أحد أسباب فشل محاولة نادر شاه في إخضاع هؤلاء العرب. وهذا النص كفيل بزرع انطباع في ذهن القارئ بأن التشيع يتمركز في فارس التي منها انبثاثاته الواسعة نحو الغرب، يورد الكاتب. 

الباحث الدكتور فؤاد ابراهيم

دوزي Dozy من بين علماء غرب آخرين، خضع تحت تأثير رواية الرحالة الغربيين كما يقول إبراهيم، وقرر بأن “الشيعة كانوا في الأساس مذهباً فارسياً” ويلحق هذه الحقيقة المقررة بشرح لخلفية التبني الفارسي للعقيدة الشيعية على قاعدة اختلاف قومي “وهنا يكمن الاختلاف بشكل واضح بين العنصر العربي الذي يعشق الحرية والعنصر الفارسي الذي ألف عبودية الرق”، بحسب زعمه. 

لكن على أيّ حال، فإن الآراء المذكورة سلفاً اعتصمت بمصادر وأدوات تحليلية لم تكن تأخذ في الحسبان مصادر تاريخية رصينة ومنهج تحليلي أكثر شمولية. وهنا يوضح الكاتب هشاشة المصادر التاريخية التي بني عليها هذا السرد. ويضيف، فقد بدأ اتجاه جديد في الظهور في بدايات العشرينيات من هذا القرن أطاح بالاعتقاد السائد، وسخر من النتائج التي توصل إليها الجيل الأول من الباحثين والرحالة الذين كانت تنقصهم المعرفة التاريخية والتحليل التاريخي العلمي. ويأتي D. G. Hogarth في طليعة العلماء الغربيين المعاصرين الذين وضعوا أساساً جديداً لاستكشاف الأصول التاريخية والاجتماعية للتشيع من زاوية مختلفة. إذ يقول إن: “عدم التوافق بين شبه الجزيرة العربية والنظام الخليفي القائم سواء كان خاضعاً من الناحية الإدارية إلى سوريا أو العراق يزيد من واقع الانعزال عن الإمبراطورية الإسلامية. فالأمر على درجة من الأهمية، لأن الطابع الديني والسياسي المخادع يحكم عدداً كبيراً من المجتمعات في الوقت الحاضر لشبه الجزيرة العربية. فهناك من العرب أكثر مما يفترض، مازال يمارس عقائد ضد – سنية، وهذا يصدق، على سبيل المثال، على أغلب اليمنيين سواء من سكنة الهضاب أو الزيدية، أو الإسماعيلية، أو الداوودية وأيضاً سكان المناطق النائية من نجران إلى الجوف، وهكذا الحال بالنسبة لجمهرة رجال القبائل في عمان مع أجزاء من الأحساء وعدد من العشائر في مختلف القبائل البدوية، بما في ذلك بنو علي، والتي تقع ديارهم بالقرب من المدينة المنورة وما يدخل في حيازة قبيلة حرب.  

وتابع الباحث، ثم جاء جوليوس فلهاوزن ليهدم كل الأسس النظرية التي أقام دوزي ومولر عليها آرائهما قائلاً: ” ليس ثمة شك في أن الأفكار الشيعية حازت على إعجاب الفرس، ولكن ذلك ليس على سبيل إثبات أن هذه الأفكار نشأت وسط الفرس. فالمصادر التاريخية تتحدث عكس ذلك تماماً. فالتشيع الصريح، على حد هذه المصادر، ظهر بشكل كبير في بيئة عربية، ومن هناك تحديداً انتقلت هذه الأفكار إلى الموالي وأصبحت جزءً منهم” يضيف فلها وزن بأن القبائل العربية وليس الموالي هي التي ناصرت الأفكار الشيعية ودافعت عنها. فالقبائل العربية (التي تبنت العقيدة الشيعية) كانت على وجه الخصوص من نهد، خريف، ثور، شاكر، شيبان، همدان.  

المستند التاريخي

يذكر الكاتب إحدى القبائل العربية الشيعية التي سكنت الواحة للإستدلال على التجذر الشيعي في الدول العربية، وهي قبيلة عبد القيس التي قدّر لها أن تلتحم بالإسلام وبالتشيّع منذ بداياته المبكرة. فقبيلة عبد القيس اتجهت من تهامة، موطنها الأصلي، شرقاً ناحية البحرين التاريخية والتي تشمل هجر والقطيف وأوال، وكان بها حينذاك بشر كثير من بكر بن وائل وتميم فلما نزلت عبد القيس زاحمت هاتين القبيلتين في تلك الديار، وقاسمتهما في المواطن.  

وهنا يتوقف الكاتب ليقدم رأياً تحليليا ًمفاده أنه يمكن اعتماد هجرة بعض قبيلة عبد القيس إلى العراق وتحديداً إلى البصرة والكوفة بداية لتبرعم التشيع في قالب ثنائي سياسي ـ ديني. ويمكن إرساء تورخة تقريبية لهجرة عبد القيس بعد معركة القادسية واندحار الفرس سنة 16هـ وفتح المدائن. ففي هذا العام بدأ الخليفة عمر في ترتيب الأوضاع الإدارية. وفي سنة 18 نزل المسلمون الكوفة واختطوا بها الخطط وبنوا المنازل ونزلها من أصحاب رسول اللَّه  ثمانون رجلاً. 

ذلك أن القبائل العربية التي استوطنت العراق شكّلت البيئة الاجتماعية الخصبة التي تولّدت فيها حركات اعتراضية وسياسية وفكرية تركت بصمات واضحة في تكوين المسلمين السياسي والإجتماعي والثقافي. وفي هذه البيئة على وجه التحديد، أخذ التشيع يجسد نفسه في بنية مجتمع المهاجرين في الكوفة والبصرة والمدائن، ليستكمل بفعل التطورات السياسية السريعة إجراءات تشكله التنظيمي والسياسي في ظروف التوتر الاجتماعي خلال عهد الخليفة عثمان، وليمهد التجسيد السياسي للتشيع لأشكال أخرى قانونية وكلامية لاحقة. 

فهذه القبائل التي استقرت في البصرة والكوفة مثّلت، في حقيقة الأمر، خط الدفاع الأول عن قضية علي وبنيه. وقد ظهر ذلك بوضوح أولاً في الحركة الاحتجاجية الواسعة النطاق التي تفجرت من داخل هذه القبائل ضد الخليفة عثمان، في تعبير اعتراضي على المركزية القرشية التي أخذت شكلاً تفاضلياً في هذه الفترة وأكّد نفسه في حوادث حرب الجمل. والمناصرة المستميتة التي أظهرها مقاتلو عبد القيس في حرب الجمل سنة 36هـ، كانت تعبيراً شديد الوضوح على مناهضة  خط القبيلة الحاكمة والأثيرة أي قريش.  

وبالتالي، يخلص إبراهيم للقول أن عبد القيس إلى جانب القبائل العربية المهاجرة من جنوب الجزيرة العربية مثّلت الحواضن الأولى الكبرى للتشيع، كما شكّلت جزءً من الرأسمال الاجتماعي الذي وظّف لصالح توطين التشيع في العراق والبحرين واليمن ومن ثم استثمر لجهة نشر التشيع لمناطق أخرى مجاورة. ولهذا السبب ليس غريباً، أن تكون الكوفة وهجر وصعدة البؤر الأولى في تاريخ التشيع، وهذا كان واضحاً حتى في العلاقة بين هذه البؤر ومراكز السلطة في بلاد المسلمين. 

شاهد آخر يضعه الكاتب بين أيدينا عن أصول التشيع، وهو ما نقله ناصر خسرو في “سفرنامه” خلال إقامته التي دامت حسب روايته تسعة شهور. فرض فيها القرامطة بعضاً من القوانين على السكان المحليين فقد منع الحاكم وكان يدعى الشريف، الناس من مزاولة فروض الإسلام وأسقط عنهم الواجبات مثل الصلاة والصوم زاعماً بأنه السلطة النهائية في مثل هذه الأمور، حتى بدأ يرسي حركة باسمه البوسعيدية. ومما يبدو من مصادر أخرى، أن القرامطة دخلوا في مواجهة مباشرة مع السكان الأصليين الشيعة في المنطقة. وتذكر المصادر بأن أبا سعيد لما دخل هجر عام 300هـ أرسل على جميع الرؤساء والأعيان والقراء للتشاور معهم في إصلاح البلاد فلما اجتمعوا أضرم عليهم النار ومن فرّ أخذته السيوف. 

ويلاحظ الباحث، أن القرامطة لم يكن يلقوا ترحيباً من السكان الشيعة المحليين، بل على العكس واجهوا مقاومة عنيفة. وفي نهاية الأمر، فإن القرامطة كسلطة سياسية وكمذهب ديني “اختفى في القرن الحادي عشر”، على يد الأمراء العيونيين الشيعة، الذين أقاموا دولة شيعية لمدة 190 عاماً أي حتى عام 636هـ. لذا يبدو واضحاً مما سبق أن التشيع نشأ على تربة عربية خالصة، وأن العرب هم المتبنون الأوائل له والناشرون لتعاليمه. بل ويجب التذكير أيضاً بأن التشيع لم يصبغ منطقة البحرين فحسب، بل أن المصادر التاريخية القديمة تؤكد على أن التشيع غطّى أغلب مساحة الجزيرة العربية بما في ذلك منطقة نجد. 

فقد أوردت مصادر تاريخية عديدة تقارير حول شبه الدول الشيعية التي كانت قائمة في وسط الجزيرة العربية، وأبرزها دولة بنو الأخيضر المتحدرة، حسب الحسن الهمداني، من أخيضر بن يوسف العلوي. ويصف ناصر خسرو اليمامة في “سفر نامة” بأن حكام اليمامة، من قديم الزمان، علويون، وبقيت كذلك حيث لا ملك مناس ولا حاكم يحيط بهم. وأن هؤلاء العلويين أقوياء، وأنهم يمتلكون ما بين 300 – 400 فارس. وأن مذهبهم الزيدية، ويقولون في إقامتهم للصلاة “محمد وعلي خير البشر وحي على خير العمل”، وفق الكتاب.  

أما في المنطقة الغربية من الجزيرة العربية، فقد كان للتشيع سيطرة شبه تامة. ففي ينبع على سبيل المثال، في شمال غرب المدينة، كان للكيسانية السلطة السياسية والدينية الكاملة. والكيسانية هم أتباع محمد بن علي بن أبي طالب الذي يمثل القيادة الروحية بالنسبة لأتباعه الذين يعتقدون بأن ابن الحنفية قد اختفى في جبل رضوى في ينبع. وأن المناطق المحيطة بالأخيرة كانت عادة تحت حكم أشخاص متحدرين من الحسن بن علي بن أبي طالب، وأيضاً حكم القبائل الشيعية المهاجرة من اليمن مثل قبيلة حرب. وإضافة إلى ذلك يمكن القول بأن المنطقة الواقعة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة كانت واقعة تحت سيطرة قبائل مضر التي ينتمي إليها الحسنيين والجعافرة. 

بطبيعة الحال، يقول الباحث فإن الخارطة الجغرافية للتشيع خضعت لتبدلات سريعة، ولكن إقليم البحرين التاريخي حافظ على صفته كحاضنة مركزية للتشيع. فثمة أصالة واستمرارية التشيع في المنطقة الشرقية تكشف عنها بجلاء كتب الرحال والمؤرخين. 

بداية التشيع في إيران 

في المقابل، عرض الباحث أصول التشيّع في إيران، ولفت إلى أنها كانت حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي لا تزال ذات أغلبية سنية ساحقة، باستثناء المناطق الساحلية التي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعراق وخصوصاً بالعرب المتشيعين. فجميع المشرق كان الغلبة فيه لأهل السنة إلا أهل قم. وحين اعتلى الشاه إسماعيل العرش في تبريز أقر المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً لجميع إيران، وأعلن قراره في خطب الجمعة. ولكن القرار لم يحقق نجاحاً سريعاً وفاعلاً ويرجع هينز هالم ذلك بشكل كبير إلى “حقيقة كون قلة من العلماء الكفوئين كانت قادرة على نشر التشيع. فشاهات الصفوية وبخاصة الشاه طهماسب (1524 – 1576) – خليفة إسماعيل – اعتمدوا – في وقت لاحق – على مساعدة علماء من البلاد العربية من جنوب العراق، جنوب لبنان والساحل الغربي من الخليج. وهكذا ولأسباب سياسية ودينية سعى الصفويون ومنذ بداية عهد الشاه إسماعيل الصفوي المؤسس لترويج وتدريس التشيع وتشجيع هجرة علماء الشيعة من المناطق الأخرى لفارس. وكان هؤلاء العلماء من المناطق العربية من جبل عامل والبحرين، والتي تشمل الأحساء والقطيف والمناطق الساحلية المحيطة.  

وقد أتى الشيخ يوسف البحراني في “لؤلؤة البحرين” والحر العاملي في “أمل الآمل” على طائفة كبيرة من العلماء الذين شاركوا في حركة نشر المذهب الشيعي في إيران. فقد أحضر الحكام – الصفويون – عدداً كبيراً من علماء الشيعة من هذه المناطق لوضع البنية الأساسية للتشيع في إيران”. ساعد ذلك أولاً الاضطهاد الذي تعرض له بعض علماء الشيعة في بلاد الشام على يد السلطات المحلية الحاكمة باسم الدولة العثمانية، ثم دخول البحرين في الحيازة السياسية الصفوية ثم القاجارية والتي تطلب انتقال عدد من علماء الشيعة في البحرين إلى إيران لتولي مناصب قضائية. 

الأصول السكانية للشيعة المعاصرين 

ليس ثمة شك أن الشيعة العرب والبحرين يندرجون في نفس التصنيف الايثني نتيجة للتداخل الشديد والتزاوج بينهم والذي يعود إلى قرون بعيدة. وثمة حقيقة أخرى أيضاً وهي أن ثمة تاريخاً مشتركاً يضم كلا المنطقتين، وهذا الواقع قدّر له أن يستمر حتى وصول المستعمرين البرتغال إلى منطقة الخليج في القرن الخامس الهجري ثم سيطرتهم الكاملة عليها في العقد الأول من القرن السادس عشر. 

لكن، بحسب رأي الباحث فشل المؤرخون المعاصرون والدراسات الحديثة عن المجتمعات الخليجية في تزويدنا بمعلومات موثوقة بخصوص هذا الموضوع. ولعل حالة اليأس التي أصابت بعض الباحثين هي انعكاس مباشر لهذا الفشل. فبعد أن شعر Sir Robert Hay بأن لا سبيل لإكمال البحث في تحديد هوية الشيعة البحارنة، أقفل النقاش بتقرير كونهم “شيعة عرب بلا نسب”. ولعل في هذه النتيجة أراد الباحث إيصال رسالة لمن يخلفه في أن يستكمل البحث في تحديد النسب العربي لهؤلاء الشيعة. ثم جاء من بعده باحث آخر فقرر اعتبار المجتمع الشيعي في الأحساء “متحدرين من قبائل عربية كانت سائدة في الجزيرة العربية منذ ثلاثة آلاف سنة. 

وفي هذا السياق، يشير الباحث إلى اعتراض الباحث الكويتي د. محمد الرميحي على فرضية الأصول الأعجمية للشيعة في البحرين، ففي حين يقرر الباحث الكويتي عروبة هؤلاء الشيعة، إلا أنه ينسبهم إلى أصول عراقية، بناء على “أن اللهجة العربية التي يتحدث بها البحارنة قريبة جداً من اللهجة التي يتحدث بها عرب العراق”. وهذا الرأي، بحسب الكاتب، يواجه صعوبة كبيرة، فالمطلعون على اللهجات الخليجية بإمكانهم وببساطة التفريق بين اللهجتين البحرانية والعراقية، بل أن المشتركات في اللهجتين العراقية والكويتية هي أكثر مما هي عليه في الأوليين.  

أما بالنسبة لـ Yann Richard فيقترح أصولاً لشيعة البحرين كما يلي: “يرجع البعض في أصوله إلى المخزون الاجتماعي المحلي القديم، وبعض من المستعمرات الإيرانية السابقة (بحارنة البحرين)، والبعض الآخر وصل مؤخراً من قبائل عراقية فقيرة”. وهذا الرأي، على أية حال، لا يستند على أساس تاريخي. فالحقيقة أن هذا الرأي يقوم على أوهام أكثر منه على حقائق. فمن المستحيل تقريباً، من وجهة تاريخية، العثور على مثال واحد على انخراط قبيلة عراقية في التركيبة السكانية للبحرين أو المنطقة الشرقية والعكس صحيح، وفق الكتاب.  

وأياً كان الأمر، فإن التداخل الثقافي والاجتماعي بين شيعة البحرين والجزيرة العربية يعتبر حقيقة غير قابلة للإنكار. ولكن، يبدو مستحيلاً تقريباً الحديث عن نمط من التفاعل الاجتماعي بين العراق وشرق الجزيرة العربية، فقد ظل هناك اتصال من جانب واحد تعكسه الهجرات المتكررة من الجزيرة العربية إلى العراق، كما يقول الكاتب. 

يجزم الكاتب بأن الأصول السكانية للشيعة للبحارنة والمنطقة الشرقية من “السعودية” هي عربية خالصة، وأن الغموض المحيط بهذه الأصول يمكن إرجاعها إلى عاملين أساسيين: الأول، وهو الانتماء الديني للشيعة، بمعنى أن التشيع في بعده الاجتماعي، مثّل هوية بديلة ومنافسة للهويات التقليدية القائمة على أساس رابطة الدم والروابط العائلية والعرقية. وهذا لا يعني القول مطلقاً بأن هذه الروابط فقدت تأثيرها نهائياً في الحياة الاجتماعية للسكان الشيعة. وبالإمكان هنا إدراك أهمية الدور الاجتماعي للتشيع باللجوء إلى الخطاب الاثني، بمعنى أن التشيع نجح في تطوير هوية قادرة على استيعاب المعتقدين به. وبمرور الوقت، تعززت هذه الهوية بفعل عوامل عديدة ذاتية وموضوعية. أما العامل الآخر، فله علاقة بنمط الاستيطان والنشاط الاقتصادي للسكان الشيعة. فثمة ميزتان بارزتان في هذا الصدد، الأول أن سكان المنطقة تدخل في نطاق المجتمعات المستقرة (في مقابل المترحلة)، وثانياً النشاط الزراعي الذي كان يشتغل به سكان المنطقة.  

وفي هذه الحالة يستعين الكاتب بالرؤية السيسيولوجية الخلدونية التي تمدّنا بتفسير عقلاني لاختبار نقاوة النسب عند المجتمعات المترحلة والمستقرة. ويذكر أن ابن خلدون يقدم مقارنة بين أجيال البدو التي نشأت في بيئة صحراوية، حيث استطاعت تأكيد خصائصها وصفاتها الطبيعية، ولم تصادف احتكاكاً من قبل أمم أخرى تشاركها شروطها. ولذلك يمكن الوثوق بأن نسب هذا المجتمع لم يتعرض للاختلاط، فقد حافظوا على نقاوة أصولهم الاجتماعية. ويسوق ابن خلدون أمثلة على ذلك: قريش، كنانة، ثقيف، بنو أسد وآخرين. الذين، حسب ابن خلدون، “عاشت حياة صعبة في أماكن حيث لم تكن هناك زراعة، أو تربية حيوان”. في المقابل، هناك هؤلاء العرب الذين عاشوا في التلال وعند مصادر الرعي الخصبة والحياة الوفيرة. فهؤلاء العرب، كما يرى ابن خلدون، لم يعتنوا كثيراً في المحافظة على نقاوة الأصول النسبية لعوائلهم وجماعاتهم. ويضيف أيضاً بأن العرب في الحقول الخصبة تأثروا بالاتجاه الإنساني العام الرامي إلى التنافس على الأراضي الخصبة والمراعي الصالحة. 

ختاماً، يجد الباحث أن تطبيق هذه الرؤية الخلدونية يفتح نافذة معرفية على التحولات الهيكلية التي تعرضت لها المجتمعات البدوية التي قدّر لها تبديل أنماط استيطانها ونشاطها الاقتصادي. ففي العراق، على سبيل المثال، كان “انتقال بعض القبائل من الحياة البدوية إلى النشاط الزراعي ساهم في تمزيق نظامها القبلي وخلق أزمة كبيرة وسط رجالها، اضطرتهم لإعادة بناء هويتهم”. وهذا المثال يقرّب كثيراً صورة التحولات التي جرت في البنية المجتمعية للسكان الشيعة في المنطقة الشرقية، حيث ينحدر الكثير منهم من قبائل عربية مشهورة مثل قحطان وعنزة وبني هاجر، وسبيع، وشمر إضافة إلى بني خالد ذات التاريخ العريق في المنطقة الشرقية. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى