النشرةالنمر ثورة منتصرةبارز

النمر ثورة منتصرة.. انتصار الدم على سيف ابن سعود

نصف عقد من الارتقاء.. تذكرة بنهج القائد الثائر على طغيان آل سعود

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

 “الانتصار ليس بسقوط الطاغي فقط، إنما الانتصار بتحقيق الكرامة، والحرية، والتخلص من العبودية”. متيّقناً كان آية الله الشيخ نمر باقر النمر من هدفه الرسالي القائم  على إحقاق الحق مهما كان الثمن. فالإنسان لابد أن يحيا من أجل هدف سام كما خلقه بارئه، ولا يخنع أو يخضع للحاكم المستبد، فالولاية لله (جل جلاله) ولرسوله(ص) وليس لآل سعود، الذين يحاسبون ويعاقبون ويسفكون الدماء بذريعة أنهم “ولاة الأمر”، ومن نصّب هؤلاء على رقاب الناس ومنحهم الحق في تسيير مصيرهم وحياتهم ومنعهم من عبادة الله حق عبادته، عبر تنصيب أنفسهم ولاة أمر دون الإله. تأكيدات كثيرة تبلور ما سعى إليه سماحته منذ نشأته وخلال مسيرته الدينية والحياتية والاجتماعية والجهادية، حتى صار النمر قدوة الأحرار في العالم وليس في حدود القطيف والأحساء والبحرين فقط، بل امتدت تأثيرات العزة التي أسسها سماحته إلى خارج الحدود التي اخترقتها مسيرته وسيرته، وحين اضطهد ولا يزال من قبل طغاة العصر، وقف العالم بأسره أمام هول الجريمة التي أرادت إطفاء نور النمر، إلا أنه تحوّل إلى أيقونة عالمية تضيء درب الحق في زمن الظلم والاستبداد.

قبل خمس سنوات عجاف، أراد النظام أن يطفئ نهج سماحة الشيخ النمر وينهي نهجه ويمحو مسيرته وانتصاره على امتداد حياته النضالية الداخلية والخارجية، وذلك عبر سل السيف وإعدام سماحته بكل دم بارد ولم يرتدع أمام الدعوات والمطالبات وانعدام أحقيته في سجن الشيخ النمر وليس اتخاذ حكم الإعدام بحقه، ورغم كل الثغرات والانتهاكات التي برزت في المحاكمات المسيسة لسماحته، وانعدام الدليل على أي اتهام موجه إليه، إلا أن النظام أصر على الذهاب بعيداً ظنا منه أن إعدام الشيخ النمر سيمكنه من إعدام وإسكات نهجه وصوته، ولم يكن يعلم حجم امتداد الفكر الرسالي للشيخ النمر وفكره المتجذر في المنطقة وما بعدها. تمدد فكر الشيخ الشهيد الذي أسس فكراً قائماً على أن الطاعة لله وحده لا شريك له، وهو القائل “ليس عندنا مشكلة في توحيد الإلوهية، الأمة الإسلامية ليست مشكلتها في عدم التوحيد الإلوهي؛ مشكلتها في عدم التوحيد الطاغي لله، هنا هذه هي كلمة السواء؛ تعالوا نتحد على أن لا نطيع إلا الله”. وأيضاً “ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ أطاع رجلاً في معصية الله فقد عبده» تطيعه! هذه العبودية، الطاعة في معصية الله”.

  ولإبراز ضرورة عدم الطاعة للحاكم الظالم يقول سماحته في شرحه حول آيات الطاعة وينقل عن تفسير الإمام الصادق (ع) قوله «أَمَا وَاللّه؛ مَا دَعَوْهُمْ إِلى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ دَعَوْهُمْ مَا أَجَابُوهُمْ، وَلكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالاً، فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ» إذاً العبودية لله كيف تتحقق؟ بعدم اتخاذ أرباباً من دون الله، بعدم طاعة الأرباب، لا نُطيع الحكام الظلمة؛ وهكذا روايات كثيرة في هذا المجال عند الشيعة”، ويتابع “أنا أنتقل الروايات عند السنة، حتى نفس المعنى نأتي نلاحظ المشكلة “الكلمة السواء” أن لا نتخذ أرباباً من دون الله، لا نُطيع الطغاة في معصية الله”.

أصر سماحته على عدم طاعة الحكام في معصية الله، وهذا ما جعل آل سعود يستشيظون غيظاً من وجوده، وأرادوا أن يمحو ذكره عبر اغتياله، إلا أنهم لم يعلموا أن رحيل سماحته أكد وجود نهجه في كل نفس من مريديه ومحبيه ومتبعيه، داخل المنطقة وخارجها. من هنا، فإن الشهادة المأثورة في الثاني من يناير 2016م، لم تكن سوى ترسيخ لمفاهيم الحق والنصر والإنسانية ومقارعة الظلم والاستبداد والطغيان، وظهر أن في كل روح يُخلد النمر بحقه وصوته ومسيرته ومقاومته، وهذا ما لم يعيه النظام حتى بعد خمس سنوات من الشهادة، كونه يواصل السياسات الاستبداية والإمعان باضطهاد أهالي القطيف والأحساء بكل ما أوتي من بطش وانتقام وتسلط.

شهادة الشيخ النمر بالنسبة للقطيف والأحساء، لم تكن بمثابة عزل الرأس عن الجسد كما أراد النظام الحاكم، بل إنها تمظهرت بشكل أوضح الارتباط بين الأهالي والمريدين مع سماحته، وكأنما نهج الشيخ المؤسس لمقارعة الطغيان بمثابة الرأس الملتصق التصاقا لا فكاك منه بجسد المقاومة بكل أشكالها. رجل الحراك السلمي ترك خلفه الكثير من قواعد العلم والمعرفة والمقاومة، القائمة على العمل بتقية وورع ورأس يرتفع ولا طأطأ إلا لبارئه. فهم المريدون نهج سماحته وأرسوه ارتباطاً منهم بنهج الرسول الأكرم (ص) وحفيده الإمام الحسين (ع) وثورته القائمة على نصرة الحق ودفع الدماء في سبيل إحقاقه.

منذ عودته من المنفى عام 1994م، إلى القطيف، واجتهد من قلب العوامية لسبر أغوار المجتمع من أجل بناء النفس والمقاومة وانتزاع الحقوق بكل أشكالها، وبدأ من قلب مسجد الإمام الحسين (ع) في الزارة من أجل إيضاح المفاهيم واستنهاض العامة، فكان المحرك الأساس لكل الأجيال والفئات العمرية، وبات القدوة والقائد. قائد على امتداد أكثر من ثلاثة عقود بعد عودته، عمل بها بكل ما أوتي من سبل ووسائل وقوة من أجل محاكاة المجتمع والنهضة به وإبعاد المغلوطات عنه من أفكار ومفاهيم تروجها السلطة من دون إسناد وبكليتها خاطئة، خاصة تلك الأفكار الطائفية التي تؤجج للفتن والصراعات، وتبتغي إلهاء الناس بصراعات لا طائلة منها، والبقاء تحت سطوة القمع والاستبداد السلطوي. وحارب الكثير من المعتقدات الدينية المنتشرة والتي تكفر الشيعة، وحارب الفساد، حاول توعية الناس وعمل على رفع مستوى المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعلى من مستوى الوعي الديني من خلال افتتاح حوزة “القائم” التي تخرج منها العديد من رجال الدين.

آية الله نمر باقر النمر، الذي أحدث فارقا في المنطقة ووضع النظام أمام مفترق طرق بين الحق والباطل، وأظهر الوعي السياسي بين الناس، عبر دعوته المتواصلة لإصلاح النظام السياسي القائم، ووجه اتهامات مباشرة للسلطة بالدور وراء بث الشقاق والتفرقة بين الشعب، وقد رسخ وأسس لوعي بضرورة الانتفاض على الظلم والاستبداد وما إن حانت الفرصة  عام 2011م، إبان الربيع العربي حتى سلك طريق النهضة والحراك وقاد حراكاً سلميا بما عرف بانتفاضة الكرامة الثانية، مؤكداً أن  الكلمة هي سلاح التغيير السياسي الحقيقي، رغم البطش وفرض القيود الصارمة على حرية التعبير والانتقام من المنتفضين والمعبرين عن آرائهم عبر الاعتقال والتعذيب والترهيب. مواقف سماحته ونهضته بالفكر ومأسسته للوعي بالحقوق والواجبات وجعله المنطقة متمايزة بكل تفاصيلها، جعلت من ذكراه انتصارا لمبادئه تارة وانتصاراً على القيود القاسية والعمل الانتقامي المتواصل من قبل آل سعود.

يقيناً، بأن إحياء ذكرى شهادة الشيخ نمر باقر النمر، تعد إحياء للوعي الذي أرساه بعلومه ومفاهيمه وقيادته وثورته على كل أشكال الظلم والاستبداد. ومما لا شك فيه، أن ذكرى الشهادة ترسخ مفاهيم الوعي عن العامة بأن القائد الذي حارب التطرف والإرهاب والترهيب وسعى للنهضة بالأمة جرى اغتياله على مرأى من العالم أجمع، وما ذكراه سوى تأكيد متجدد أن نهج الحق لا يمكن أن يغيب أو يغتال أو تخفى معالمه مهما تمدد الظلم والاستبداد والانتقام والانتهاكات والبطش من جلاوزة النظام القائم على حد السيف وسفك الدم، والذي أكد أن بطشه وانتقامه يهددهم زئير ككلمة قالها رجل بحق في زمن الطغيان والشر والذل والهوان.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى