النشرةبارزتقارير

أيام ترامب الأخيرة تضع دول الخليج على صفيحٍ ساخن

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

في زمن احتدام المعارك بين المقاومين والمستعمرين، تجنّدت “السعودية” في معسكر الإحتلال بصورة تامة، حتى أصبحت جزءً منه وأداةً فاعلة لتنفيذ خططه ومشاريعه في المنطقة. وفي حين تجد نفسها متفوّقة على غيرها من الدول العربية لعلاقتها بالولايات المتحدة، رغم ما يشوب هذه العلاقة من توترات نسبةً لسياسات الرئيس المنتخب، حيال “السعودية” والشرق الأوسط بشكلٍ عام، إلا أنه حتى خلال فترة حكم دونالد ترامب الذي تقرّب من الرياض بشكلٍ صارخ، لم يوفّر فرصةً إلا ووجّه بها لآل سعود أوامر مذلّة مصحوبةً بالسخرية والإستهزاء.

من الصعب على الرياض أن تكون ذات قرارٍ مستقلٍ، بحيث تصبح قادرة على إدارة مرافق البلاد بصورة مطلقة، رغم الثروة النفطية الضخمة التي تتمتع بها البلاد، والتي تخوّلها لتمتلك قدرات إقتصادية كبيرة دون أن تحتاج للإستدانة من صندوق النقد الدولي أو استنزاف احتياطها بالعملة الأجنبية كما تفعل الآن. ولكن كل ذلك مردّه بالدرجة الأولى إلى العلاقة الجدلية القائمة بينها وبين واشنطن، على نحوٍ يجعل الأولى تدفع الأموال فيما تتولى الثانية حماية العروش. وبهذه المعادلة يحافظ آل سعود على مناصبهم، وتمارس الرياض فائض قوّتها ضد دول وشعوب المنطقة، ومن جهة أخرى تحافظ واشنطن على تدفق الأموال من “السعودية” بشكل دوري.

من هنا، يمكننا تفسير مسارعة “السعودية” لتنفيذ إملاءات الولايات المتحدة دون اعتراض، بل غالباً ما تبادر بنفسها لعرض خدماتها سواء بمناسبة أو من دونها. ذلك أن حماية العروش يقترن بتبعية سياسية مطلقة لواشنطن، إلا في موضوع إيران، إذ أن الرياض مستعدّة – ومن تلقاء نفسها – لتسخير كافة إمكاناتها المادية والإعلامية وحتى جغرافيتها ومجالها الجوي فقط للنيل من شخصية إيرانية واحدة. مع العلم أنه ليس لطهران أي مشكلة بفتح حوار هادئ وعقلاني مع الرياض حتى الآن، من باب سد الثغرات، ورصّ الصفوف للتصدي إلى الإحتلال الأمريكي والصهيوني. لكن الرياض فضّلت أن تنضوي في هذا الإحتلال ضد طهران. وقد ترتّب على هذه العدائية الكثير من الجرائم التي ارتبكتها “السعودية” ضد إيران، ليس آخرها المشاركة باغتيال الشهيدين القائدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس.

وفي حديثٍ خاص مع “مرآة الجزيرة”، وجد رئيس تحرير مجلة “مرايا” الإعلامي والمحلل السياسي فادي أبو دية، أن اغتيال الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني، رفع منسوب التوتر في المنطقة بشكل غير مسبوق. وقال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبر أنه حقّق إنجازاً كبيراً للعدو الصهيوني من جهة، ومن جهة أخرى استطاع أن يبتزّ دول الخليج وعلى رأسها “السعودية” لدفع المزيد من المليارات خاصّة وأن زيارة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو الأخيرة إلى الجولان المحتل قد سبقها لقاء مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي طلب شراء صفقة أسلحة بقيمة 130 مليار دولار.

رئيس تحرير مجلة “مرايا” الإعلامي فادي أبو دية

لكن المفارقة بحسب أبو دية أن دول الخليج مجتمعةً وفي مقدمتها “السعودية” ليست سوى أدوات تحركها أمريكا بحسب مصالحها دون أن يكون لها أي دور أو حتى قرار أو إبداء رأي، بل نراها فتحت مجالاتها البرية والبحرية والجوية بشكل كامل دون قيد أو شرط لضرب إيران وتنفيذ اغتيالاتها بتمويلٍ خليجيٍّ. وهنا يعقّب المحلل السياسي قائلاً: “إنّ محمد بن سلمان قد طلب بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ من القيادة الإسرائيلية منذ شهر تقريباً توجيه ضربة عسكرية تطال البرنامج النووي الايراني مستخدماً عبارة “أنه لا يستطيع تحمل ايران نووية مجدداً اذا أعاد بايدن الاتفاق النووي”.

وعن التهديدات التي تطلقها الإدارة الأمريكية من وقتٍ إلى آخر ضد إيران، قال الإعلامي اللبناني أنه لا يمكن التنبؤ بإذا كانت أمريكا ستنفذ تهديداتها بضرب إيران، كوننا أمام قيادة مجنونة وغير متوازنة في حساباتها الدولية، لكنه جزم بالإعتماد على مصادر دبلوماسية ودولية أن امريكا تبلغت رسالة من طهران مفادها أنّ أي عمل عسكري سيشعل حرباً شاملة في المنطقة ضد كل القواعد الأمريكية وربما ستطال الكيان الصهيوني. وبحسب رأيه أن هذا الرد الإيراني الذي تعرفه جيداً أمريكا هو ما أوقع إرباكاً كبيراً في صفوف إدارة ترامب التي عجزت عن تقديم أي سيناريو تكون فيه أمريكا في مأمن من الرد الإيراني.

أما بالنسبة للزيارات الأمريكية والاسرائيلية المكثّفة إلى “السعودية” فرأى أبو دية أن مردّها إلى سببين، الأول طلب “السعودية” تمويل عمل عسكري ضد إيران من خلال استخدام كل إمكانيات دول الخليج الواقعة تحت سيطرة “السعودية”، والشق الثاني هو ابتزاز الرياض لدفع الأموال لقاء حماية عرش محمد بن سلمان وضمان انتقال السلطة إليه. وأضاف أنه هناك فرق كبير بين عقلية ترامب التاجر وعقلية بايدن السياسي المخضرم إلا أن الثابت الوحيد في كل المعادلات الأميركية هو أولوية الأمن للعدو الإسرائيلي وضمان تفوقه العسكري في المنطقة وإخضاع كل الدول المحيطة للقرار الإسرائيلي.

شكّلت هزيمة دونالد ترامب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، في الإنتخابات الرئاسية خيبة أمل كبيرك بالنسبة للرياض، كونها عوّلت عليه بارتكاب الكثير من الجرائم العسكرية والإقتصادية بحق شعوب المنطقة. ليفوز الرئيس المنتخب جو بايدن المعروف بمواقفه المعادية للرياض. هذا الإختلاف السائد بين الإدارتين الأمريكتين السابقة والقادمة، دفع للتساؤل عن شكل العلاقات الأمريكية السعودية، فأجاب المحلل السياسي بالقول أن هذه العلاقات مرتبطة أيضاً بالعلاقات السعودية الاسرائيلية، لذا كما يرى المحلل السياسي، لن يقوم بايدن بمهادنة محمد بن سلمان كما فعل ترامب لكنه في نفس الوقت، لن يوتّر العلاقات بما يؤثر على مصلحة الكيان الصهيوني أو على استثمارات الولايات المتحدة في المنطقة خاصة مع بروز علاقة روسية سعودية تنمو أكثر فأكثر ، إضافة إلى ذلك تعتبر “السعودية” مصدراً أساسياً للإرهاب الإسلامي الذي تستخدمه واشنطن لفوضى الأنظمة في المنطقة وتحصيل مكاسب وامتيازات.

رغم ذلك، من الواضح أن واشنطن تمارس استفزازات في مياه الخليج، من وقت إلى آخر. ما يجعلنا نتساءل حول ما إذا كان ذلك سيأخذنا إلى مواجهة عنيفة وشاملة بين إيران وواشنطن، وموقع “السعودية” في هكذا مواجهة إن حصلت. هنا يقول رئيس تحرير مجلة “مرايا” الدولية أن التحركات العسكرية الأمريكية النشطة في المنطقة مؤخراً لا تعدو كونها فوضى خلقها ترامب قبل رحيله دون أن يستبعد أي حماقة عسكرية، لكن في تقديره الجيش الأمريكي لن يوافق على الدخول في حرب خاسرة سلفاً وموجعة مع إيران وهذا سبب رئيسي لإقالة وزير الدفاع الأمريكي السابق. وعلى كل حال، رجّح أبو دية بقاء المنطقة على حالها، حتى استلام بايدن، وشدّد في الختام على أن أمريكا لو كانت تعلم أنها قادرة على شن حرب رابحة على إيران لن تنتظر يوماً واحداً.

ولذلك نجد في خضم الصراع القائم بين الولايات المتحدة ودول محور المقاومة وفي مقدمتها إيران، تحرص واشنطن على دراسة كافة تحركاتها بدقّة، وكذلك تصريحاتها وردود أفعالها. ليس لأنها تمتلك شيئاً من الأخلاقيات التي نصّبت نفسها راعيةً عليها، إنما من من منطلق توازن الردع الذي فرضته دول المحور على العدو الصهيوني والأمريكي. في حين أن تعاطي الإدارة الأمويكية مع دول ك”السعودية” يتّسم بالإهانة والإذلال، كون هذه الدول لم تحفظ لنفسها القليل من ماء الوجه بل اختارت الركوع على ركابها أمام الرؤساء الأمريكيين وتعاطت معهم كما لو أنهم آلهة، فكان من الطبيعي أن يتعاطوا معها كواحدة من العبيد.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى