النشرةالنمر ثورة منتصرةبارز

جراح لا تندمل.. جثمان العالم الثائر مغيّب برفقة عشرات الجثامين.. مَنْ يحاسب نظام آل سعود؟

السلطات السعودية تعتقل عشرات الجثامين على مرأى من العالم أجمع، وتحاكي بممارساتها كيان الاحتلال الصهيوني الذي تسعى لإشهار علاقاتها معه، ما يطرح تساؤلات حول سبل المحاسبة، التي تبقى بعيدة المنال، إذ لا يوجد أي رادع أمام النظام القائم على سفك الدم ولا يرعى القوانين الدولية ولا الأعراف والمبادئ الإنسانية، فيمارس البطش والظلم والاستبداد بلا وازع ولا حد ولا قيد، ومع استبعاد سبل المحاسبة الدولية بسبب العلاقات السياسية والحمائية الدولية وشراء الذمم من قبل الأنظمة، فإن كل التعويل على وعي الشعب ومعرفته لحقوقه وإدراكه لمكتسباته والدفاع عنها، ورفضه للظلم والطغيان بكل أشكاله العلنية والمضمرة

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

بالقهر والاضطهاد والتنكيل واللوعة، تخط فصول القهر المتأصل في جذور نظام آل سعود. نظام قائم على حد السيف وسفك الدم وإفراز جل الحقد على أساس هجمي عدواني طائفي وهابي، يبدأ بسياسات الاستيلاء على الأرض وخيراتها وانتهاك حقوق شعبها، ولاينتهي بالقيام باغتيال الأخير وممارسة أبشع أنواع التنكيل بحقه، حيّا كان أم ميتاً. ولكن، في مفاهيم شعب أيقن معنى ثقافة الموت والحياة مقابل الحفاظ على العيش بكرامة، تبزغ أعراف الحق ومعاني المقاومة لكل أنواع الظلم والاستبداد والامتهان والمحاولات للنيل من الإنسان، رغم مخالفتها للقوانين والشرع الدينية والقانونية المحلية منها والدولية، بين هذه الممارسات والانتهاكات تفتضح ممارسات السلطات السعودية بتمسكها بمحاكاة الاحتلال الصهيوني باحتجاز جثامين الشهداء، ومنعها عن ذويها رغم كل ما تضمره هذه السياسة من أسلوب وحشي لا يمكن محو آثاره.

خمس سنوات وجثمان العالم الديني المطالب بالعدالة الاجتماعية الشيخ الشهيد نمر باقر النمر (2يناير2016)، مكبّل لدى نظام آل سعود، تحل ذكرى الشهادة الخامسة على وقع آمال الانتظار لعودة الجثمان ومواراته الثرى بما تكفله القوانين الدينية والوضعية المحلية أم الدولية، وذلك بفعل استئثار النظام وتمسكه بسياسة احتجاز جثامين الشهداء وإخفاء مكان دفنها، ومنع العوائل من معرفة مكان شهيدهم أو حتى حتى إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان نكّل وكبّل واضطهد وحزّ نحره انتقاما من صوت علا أو قبضة رفعت أو حتى انتماء لمنطقة أو جماعة أو طائفة.

على مدى سنوات نصف عقد من الزمن لم يهدأ نبض الانتظار لجثمان العالم الشهيد، الذي تفتح قضية احتجاز جثمانه ومعه جثامين عشرات الشهداء الباب على مصراعيه أمام اتضاح فصول الانتهاكات السلطوية السعودية لقوانين الأرض والسماء. وما يرتكب من انتهاكات جمّة وجسيمة ولا تعير اهتماما لآلام الفقد واللوعة والحزن الذي يحفر عميقا في نفوس العوائل، بعد اغتيال الشهداء، وكأنما تلفظ الأنفاس باغتيال أجسادهم مرة أخرى، تمنع العوائل من نظرة الوداع الأخيرة، وتحرم تسكين فقدها وإكرام فقيدها وتصرّ بكل بجاحتها على جعل الجراح باقية من غير اندمال.

لاشك أن احتجاز الجثامين سياسة مفجعة تجعل من السيف المسنون الذي يحز نحور الشهداء، يغرز سريعا وعميقاً في نفوس ذوي الشهداء وتبقي جراحهم تنزف مدى الحياة، ومن دون أن يرف جفنها تحدث السلطات فواجع في الاغتيال وتحرمهم من لحظة مواساة تخفف لوعة المصاب على والدة وأبناء وأب وشقيق وأخت وأقارب وقائد أيضا،وذلك باحتجازها لجثامين الشهداء ومنعها العوائل من إكرام شهيدها كما هو المشهد المعتاد، وتصر على تبيت صورتها أن الخوف من الشهداء باق ويتسع مداه في حياتهم ومماتهم.

جثمان الشيخ الشهيد النمر واستمرار اعتقاله، حتى الآن، يشرّع الأبواب الموصدة على جثامين عشرات الشهداء المخفية حتى الآن، ويبرز الوجه الانتقامي من نظام يستأثر بجلاوزته من أجل إفراز جام الحقد والإرهاب ضد شهداء اغتالهم بفعل كالكلمة، وينتقم من أجسادهم وذويهم من دون أي تبرير غير العدوانية والطائفية والاجرام، عبر فرد حالة الحزن والألم على مختلف البيوتات والمنازل في “القطيف والأحساء”، حيث الحزن المختبئ بين الجدران والأروقة يتسلل إلى المشهد العام.

منذ احتلال آل سعود للجزيرة العربية، يحكى عن ممارساتهم لسياسة احتجاز الجثامين، وتثبت بشكل متواصل كيف تخاف السلطة صوت الحق من الأرواح والأجساد على حد سواء، وتتمسك بفصل الانتقام عبر احتجاز الجثامين وتحظر على  العوائل حق تسكين فقدها وإكرام فقيدها، في انتهاك منفّر لكل ما تدعي الالتزام به من الشرعات الدولية والقوانين المحلية والدولية، فجميع المواثيق الدولية الوضعية تؤكد حرمة الاعتداء على جثامين الشهداء حتى في حالات الحرب، وقد نظمت القواعد الدولية سلوك الدول المتحاربة، ولكن، في تعامل سلطات آل سعود مع المواطنين لايبدو أن أي حرف من الشرعات القانونية والدولية والمحلية والدينية تحضر في مفاهيم تعاملها مع أبناء القطيف والأحساء، حيت تصر على استهدافهم بكل الوسائل المتاحة، بل لعلها تبتكر الكثير من الأساليب من أجل استهدافهم.

ومن البديهي أن النظام السعودي يعلم حجم الانتهاكات التي يمارسها بتنفيذ هذه السياسات الانتقامية التي تجعل من جريمته مضاعفة التأثيرات على المعدومين والشهداء وأيضاً ذويهم، إلا أنه لايزال يتمسك بسياساته الانتقامية على مر السنين، وترفع مستوى الألم واللوعة عند الأبناء والأطفال والأمهات والآباء والأقارب، الذين يحرمون من شهيدهم وإكرامه وتشييعه، من دون تفرقة بين طرق الشهادة، فكل الذين تغتالهم السلطة بحقدها تصر على تغييب جثامينهم، أكانوا ارتقوا عبر حفلات الإعدام وقطع الرؤوس، أو عبر الاغتيالات وسط الشوارع العامة، والقتل العمد والاغتيالات عبر الكمائن التي تفرز وجه تعسف وانتهاك لا يمارسه نظام إلا مع العدو الذي يهدد أمن المواطنين، إلا أنه من قبل آل سعود فإن المواطن يعيش حالة خوف ورعب من سياسة البطش والانتقام وسفك الدم، واحتجاز لأجساد الشهداء وعدم السماح لذويهم بإكرامهم ودفنهم.

تتعارض سياسة احتجاز الجثامين والقانون الدولي، وتعاليم الدين الإسلامي رغم ادعاء السلطات السعودية استقاء أنظمتها منها، وتتعمد ترك أسر الضحايا في عذابات نفسية لا انفكاك منها ولا مهرب من الخروج من دائرتها، وتفضح سلوكياتها المشينة والاستهتار البالغ والمتخطي لكافة الحدود الإنسانية والقانونية، وتصر على تعميق وسائل الاضطهاد الذي يقف أمام انتهاك الحق حتى في الحياة بأدنى مستوى من الإنسانية. القواعد الواردة في الاتفاقيات الدولية، تنص على احترام الإنسان وجسده، حيث وردت في اتفاقية جنيف سنة 1864 لمعاملة جرحى ومرضى الحروب والمعدلة بمعاهدة سنة 1906 ثم باتفاقية سنة 1929، ووردت أيضاً في اتفاقية لاهاي سنة1899 وسنة 1907، وفي اتفاقيات جنيف الخاصة بمعاملة جرحى وأسرى الحرب وحماية المدنيين سنة 1949، عدم الاعتداء على الأجساد واحترامهم وحق أهلها بها، إلا أنه حتى هذه الاعتبارات حتى وإن اعتبرت الرياض تشن حرباً على المواطن صاحب الأرضفي القطيف والأحساء، فليس هنالك من مواثيق وقوانين وقواعد تمنحها الحق بأقل سلوك تنتهجه في الانقضاض على الشهداء والإبقاء على أجسادهم في غياهب حقدها واستهدافها.

أكثر من 90 جثمان شهيد، تعتقلهم السلطات السعودية وتحرم أسرهم منهم، شهداء جرى تصفيتهم وقتلتهم بطرق مختلفة، منها الإعدامات والاغتيالات والقتل العمد والمباشر وغيرها من الطرق، وتعود أسباب اغتيالهم عبر حفلات إعدام نتيجة تعبيرهم عن رأيهم أو المشاركة في تظاهرات سلمية . ولعل حفلة الإعدام في الثاني من يناير 2016، وتغيّيب صوت المطالب بالعدالة الإجتماعية آية الله الشيخ نمر باقر النمر، شرعت الأبواب على جثامين الشهداء الذين تعتقلهم السلطات، خاصة وأنه مع الشيخ الشهيد كان هنالك أطفال كبّلت أجسادهم منهم مصطفى أبكر ومشعل الفراج وعبدالعزيز الغامدي. وكذلك الطفل المتظاهر علي آل ربح، والمتظاهر محمد الشيوخ، ومحمد الصويمل الذي لم توجه له أي تهمة فيها قتل أو دم، وغيرهم.

 في ذكرى الشيخ الشهيد النمر، تحل ذكرى الشهداء المغيّبة جثامينهم منذ نحو مائة عام. فأول الشهداء المغيّبون الزعيم السياسي الشيعي عبدالحسين بن جمعة الذي وقف بوجه الاحتلال السعودي للقطيف، وتم اغتياله عام 1914 بالسيف كما قيل أن جرى دفنه حياً. وفي سراديب السجون والمعتقلات سيئة السمعة هناك حكايات عن عشرات المعتقلين الذين استشهدوا خلف القضبان ولا تزال جثامينهم مُغيبة ولا أحد يعلم مكانها غير السلطات التي أزهقت أرواحها، بينهم الشهيد عبدالرؤوف بن الشيخ حسن الخنيزي، الشهيد عبدالمجيد الشماسي، والشهيد حسن بن العلامة الشيخ فرج العمران، والشهيد عبدالواحد العبد الجبار، والشهيد حسن صالح الجشي، والشهيد محمد الحايك.

كما أن جثامين الشهداء التي احتجزت ولا تزال لشهداء الإعدام، شهداء ارتقوا بسبب كلماتهم وصوتهم والتعبير عن رأيهم وطالبوا بالحقوق والحريات، ووقفوا بوجه البطش والتهميش والحرمان، بينهم الشهيد خالد عبدالحميد العلق، والشهيد أزهر علي الحجاج، والشهيد علي عبدالله الخاتم، والشهيد محمد علي القروص، والشهيد صادق عبدالكريم مال الله، يضاف إليهم الشهداء في بين عامي 2016 و 2020، في مقدمتهم الشيخ الشهيد نمر باقر النمر وثلة من الشهداء الذين قضوا في حفلات الاعدام الجماعية.

السلطات السعودية تعتقل الجثامين على مرأى من العالم أجمع، وتحاكي بممارساتها كيان الاحتلال الصهيوني الذي تسعى لإشهار علاقاتها معه، ما يطرح تساؤلات حول سبل المحاسبة، التي تبقى بعيدة المنال، إذ لا يوجد أي رادع أمام النظام القائم على سفك الدم ولا يرعى القوانين الدولية ولا الأعراف والمبادئ الإنسانية، فيمارس البطش والظلم والاستبداد بلا وازع ولا حد أو قيد، ومع استبعاد سبل المحاسبة الدولية بسبب العلاقات السياسية والحمائية الدولية وشراء الذمم من قبل الأنظمة، فإن كل التعويل على وعي الشعب ومعرفته لحقوقه وإدراكه لمكتسباته والدفاع عنها، ورفضه للظلم والطغيان بكل أشكاله العلنية والمضمرة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى