النشرةالنمر ثورة منتصرةبارز

تأثيرات الشيخ الشهيد نمر باقر النمر في القطيف والأحساء.. الملامح والاتجاهات

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

كلمة وفكر ووعي وجهاد، وتأدية رسالة محددة الأهداف وواضحة المعالم مقابل النظام الأسري والقبلي المتحالف مع الوهابية، والباحث عن السلطة والعصبية المساندة له، والعقيدة المتحجرة والمتمسكة بالوهابية بكل جلاوزتها وفكرها القائم على القتل والاغتيال لكل صوت معارض ومخالف. ثورة آية الله الشيخ نمر باقر النمر، أثبتت أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن الصوت مهما خفت صداه بفعل الاستشراس بالقتل والاغتيال والإرهاب والترهيب يبقى أثره وتأثيره ممتدا على مدى أيام الزمن، من دون مقدرة لنظام طاغ وبكل ما يمتلك من أدوات البطش والانتقام أن يعرقل مسير الحق ونهضة المجتمع والأمة بأسرها، خاصة إن كانت القيادة قائمة على مفاهيم وعقيدة إسلامية حقيقة لا زيغ في تفاصيلها وتفسيراتها ولا تحمل أهدافاً شخصية خاصة لتطبيقها وتهميش مصالح الأمة. فالقائد الساعي للنهوض بشعبه، يحيّد مصالحه جانباً وينطلق نحو تأمين مصلحة الكل لا الفرد، وهذه السياسة كانت ولا تزال متعاكسة ونظام آل سعود.

القطيف والأحساء، الواحة الخضراء فكراً وأرضاً، على امتداد مساحتها وانتشار شعبها يتناهى إلى أروقتها الظلم والاستبداد والاستهداف المتعمّد من قبل النظام المحتل للجزيرة العربية، منظومة حكم آل سعود التي تستهدف المنطقة وتعمل على تهميشها والانتقام منها منذ احتلالها الأرض، قابلتها أصوات معارضة علت ورفعت الراية من أجل مواجهة الطغيان الصلف الرافض لكل أشكال الفهم والتنوع ومعرفة الحقوق وممارسة الحريات. في كل آونة كان نبض القطيف والأحساء يتسارع للمطالبة بواقع معيشي واجتماعي وإنساني وسياسي أفضل، يتعارض والتهميش العمدي المتزايد على أساس ونهج طائفي، وطيلة فترات المقاومة المتعددة الأشكال والمتمايزة بأهدافها واندفاعتها وتأثيراتها وتأثرها، كان النظام يخطط ويجهز على من يقود ومن يشارك ومن يتحرك في دائرة الحق ومضامينه، وكانت هناك بصمات دامغة، غيّرت من واقع المنطقة بأسرها، وأبقت بصماتها دليلاً ودلالة واضحة على قوة موقفها وهدفها، الساعي لتحقيق تعاليم الإسلام ورسالته الحقة في الأرض، استناداً إلى قاعدة واضحة أن على كل فرد دور والكل يتمكن من أداء دوره وفعله من مكانه ودائرته، وهنا كان آية الله الشيخ نمر باقر النمر.

العالم الديني والأستاذ المعلّم والملهم للأجيال، بل المبدل لواقع منطقة بأسرها، الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، لاشك أنه أحدث ثورة على ظلم واستبداد وطغيان آل سعود في القطيف والأحساء، وامتدت ثورته المنتصرة في المعاني والأهداف والأساليب، فالشيخ المعارض الصلب والمعاند للسلطة المستبدة، رفض التمييز الطائفي والمناطقي والديني ولم يرفض الاختلاف والتنوع. عندما عاد إلى العوامية (1994) حمل في سلة العمل بناء الأمة على أساس الوعي الفكري والديني والسياسي، وانطلق من منهج أن الحق يؤخذ ولا يمنح، وأعلن السلمية، سلاح متمسك به طيلة حياته وأحاط نهجه باستبعاد استخدام القوة والعنف لاستعادة الحقوق مهما كان النظام ظالما، رفع راية الحوار لحل المعضلات إلا أن السلطة لطالما واجهته ببطشها واستبدادها وتعنتها بالأساليب القمعية والانتقامية.

وفيما كانت تعاني المنطقة طيلة الفترة التي عاشها الشيخ النمر في المنفى من بطش واضطهاد السلطة وأدواتها وتهميش وحرمان بل نهب لخيراتها وثرواتها والتضييق على أبناء المنطقة، وهذا الواقع لم يكن مقبولاً في نفس العالم الثائر، الذي عمل منذ نشأته على تحقيق الهدف الرسالي من الحياة، فكان مؤمنا بأن على الإنسان مسؤوليات في عموم هذه الحياة، وعليه أن يكون بنهجه ودوره حقيقة وتطبيقا ومصداقا للاستخلاف الإلهي على هذه الأرض من خلال مقارعة الطغيان وإعلاء كلمة الله جل جلاله. من هنا، عاشت القطيف بحركة الشيخ النمر ونهضته في المنطقة وعيا علنيا انتشر بين كل فئات المجتمع، ارتفعت نداءاته بصوت الحق وخط مساراً واضحاً من أجل استعادة الحقوق والعيش بكرامة وعزة، وحرك نيران الثورة السلمية بين فئات المجتمع، أرسى قواعد الحراك السلمي، أيقظ روح الحراك في نفوس أبناء المنطقة التي اختصت بكرامة مسيرة الشيخ الشهيد النمر.

القطيف والأحساء، المنطقة العائمة على بحر من الخيرات والثروات، أعاد الشيخ النمر الوعي إلى أبنائها للمطالبة بحقوقهم، وخلال مسيرته التي جعلت منه قائدا فذاً يطالب بحقوق شعبه، تعالى صدى خطباته وتسللت روح الثورة السلمية إلى النفوس، فأحس النظام بتأثيره فخافه، مخافة واجهتها السلطة بمحاولات عديدة بإخفات صوته والقضاء عليه وعلى دوره الذي من شأنه أن يجعل المنطقة وأهلها يحصلون على حرياتهم ويستردون خيرات أرضهم وينعمون بحقوقهم المشروعة، فما كان أمام جلاوزة السلطة إلا العمليات الانتقامية التي بدأت بالتضييق على تحركه وملاحقة خطبه ووضع المحاذير عليها، وعرضته لعدد كبير من الاعتقالات والمضايقات، خاصة وأنه أحدث مفارقات عدة في مرحلة وجوده وتأثيرها على المنطقة.

النبض الحالم لتغيير الواقع الظالم والمظلم في المنطقة، تمكّن من إقامة صلاة الجمعة التي كانت محظورة في العوامية، عام 2003م، وهنا، بدأت مرحلة الصدام بين سماحته والسلطة التي تعمد جلاوزتها إتلاف المصلّى الذي أقيمت فيه الصلاة، ولكن، نبض الثورة لم يهدأ ولم يركن، واستكمل الشيخ النمر مسيرته وأطلق نداء إحياء ذكرى هدم البقيع (2006)، وهذا النداء أحدث مفارقة في المنطقة بأسرها، وفي مصير العالم الديني أيضاً، حيث أجهزت السلطة على سماحته واعتقلته خلال عودته من البحرين بعد مشاركته في ملتقى دولي عن القرآن الكريم، وحينها تعرض للتعذيب وعانى ويلات السجون، ولكن بعد كسره لقيود السجان، أثبت مرة جديدة أن اعتقاله لم يكن رادعاً بل كان دافعاً لمزيد من المطالبات والتأكيد على ثوابت الحياة الكريمة واستكمال المسيرة، فاستمرت خطاباته الدينية التي تحمل هموم الناس وما يتعرضون له، وتحاكي قضاياهم، وتساندهم وتدافع عنهم، حتى أشعرتهم بأنه القائد المدافع عن وجودهم وحياتهم.

سماحة الشيخ النمر، حرك فتيل الثورة في نفوس أبناء القطيف والأحساء، وأرسى مفاهيم الحقوق والعدالة والمساواة والكرامة والعزة وطالب بتكافؤ الفرص وإطلاق سراح المعتقلين سنة وشيعة، وأكد أن الدفاع عن المظلوم نهج يتبع وطريق يسلك وسلاح تحصيل المطالب لا ينتصر إلا بالسلمية. سلمية لم تردع نظام مستبد أن يكبّل حراك الشيخ النمر العابر للطوائف والإنتماءات، جميع الإصطفافات، وأرسى قاعدة هدم التفرقة والتمييز الواقع على أهالي المنطقة. ومما جاء في بعض خطبه “النظام يقول لسنة هؤلاء الشيعة كفار تعالوا نساعدكم لتقفوا ضدهم، ثم يأتي يقول للشيعة أنتم أقلية هنا وإذا فتحنا للسنة مجالاً سيأتون ويقتلونكم. وبالتالي نتصارع ببعضنا بينما السلطة هي المسيطرة على الجميع.. لايعني ذلك أن لا نختلف على العكس تماماً بل من المفيد للسنة والشيعة انتقاد أفكار بعضهما البعض لكن على أن يكون ذلك بالدليل والبرهان فثمة فارق كبير بين الإختلاف الفكري والحالة العدائية”.

غليان المنطقة خلال حياة الشيخ النمر، قابلته السلطة بحقد وانتقام، لم يهدأ فتيله في حياته ولم ينته إثر استشهاده بعملية إعدام اقشعر لها العالم بأكمله(2يناير 2016)، فمن أمر بالقسط، ووقف بوجه الظلم قوبل بسفك الدم كان من شأنه أن يبرز مكانة ودور الشيخ الشهيد النمر في حياته وأيضاً ما بعد استشهاده، فالمنطقة التي عاشت مرحلة نهضة ووعي ومعرفة غير مسبوقة، أراد النظام أن يطفئ شرارتها بعد رحيل جسد الشيخ الشهيد، إلا أنه لم يعلم أن النمر العالم حاضر في كل نفس ووعي وفكر ليس فقط بين أبناء القطيف والأحساء بل على امتداد دول العالم، وهذه الصورة لم تهدء من تأجيج نيران النظام القائم على سياسة الترهيب والأرهبة، وعمل بعد رحيل سماحته على شن حملات عسكرية متعددة وسعّر من حملاته ضد المنطقة بغية إسكات كل صوت يبرز على نهج الحق وإكمال مسير الرسالة التي حرّك شعلتها سماحة الشيخ الشهيد وأرساها في نفوس الجميع من صغار وكبار شيب وشبان نساء وأطفال.

خمس سنوات على غياب الجسد الطاهر لصاحب العمامة الثائرة، لم تكن سهلة على القطيف والأحساء، التي لم تخلُ من ذكره  واستمرت بالعيش على نهجه وفكره وسيرته مسيرته، رغم حجم القمع والاضطهاد وسوءة المعاملة وقساوتها التي يعايشها الأهالي، بروح الثورة الحسينية التي لايهدأ نبضها عن المطالبة بالتغيير وإصلاح النظام والوقوف بوجه الاستبداد المتزايد بأشكال متعددة، ليثبت أبناء النمر وأتباعه أن الشهيد ثورة منتصرة على مر الزمن.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى