ــالنشرةدراسات وبحوث

العلاقات الأميركية السعودية بعد الحادي عشر من أيلول 2

مرآة الجزيرة- يارا بليبل

يستعرض الكاتب والباحث بلال اللقيس في الفصل الرابع من مؤلفه، وبعد إستعراضنا لظروف النشأة والتحديات العامة والمستجدة للعلاقات بين الحليفين، نقوم اليوم في تقديم كل من أوجه الشبه بين الرياض وواشنطن، كما المراحل التي رسمت مسار العلاقات بينهما حتى العام 2001.

أوجه الشبه بين واشنطن والرياض

  • من حيث ظروف النشأة:

هناك تشابه قلّ نظيره في طبيعة النشأة والتأسيس لجهة طريقة التوسع واستخدام أدوات التهجير القسري وشراء المقاطعات بالمال واعتماد الثقافة الحلولية أي التنكر لوجود ثقافة أخرى سابقة، فتمّت أمركة التجربة الجديدة من خلال فرض تركيب إيديولوجي سياسي وديني وقومي خاص، وبالمثل بالنسبة للسعودية من الخليط السعودي المتنوع مذهبيا وفكريا.

  • الجغرافيا السياسية: طبيعة غير قابلة للنضوب تدر عليهما، وتجاورهما دول فقيرة

شارحا ذلك بالقول “تراهما يتوجسان ويحذران بشدة من الجار الفقير. وقد يفاجأ المواكب للسياسة السعودية طرحها الداعي إلى مواجهة هذا التهديد بإنشاء الجدار لمنع تدفق النازحين على غرار ما تنادي به الإدارات الأميركية. قامتا ببناء جدار وسياج أمني مع دول فقيرة على حدودها (المكسيك/ العراق واليمن) حيث أقامته لمنع نزوح العاملين الفقراء وليس بسبب الحرب، أي لأسباب اقتصادية واجتماعية وليس عسكرية”.

  • من حيث هويّة المجتمع السياسي والنظام:

يذكر الباحث اللقيس بأن كل من واشنطن والرياض دخلتا في العقدين الأخيرين دائرة أسئلة الهوية، كمؤشر على ظاهرة “التفكيك الثقافي”، مبيّناً أنهما تتشابهان إلى حد بعيد عند الحديث عن تصوّراتهما حيال الآخر فـ”الأخر، يكرهنا ويحسدنا وينقم على قيمنا لـ” أننا مميزين وممنوحين هديّة إلهية خاصّة”. هذا ما أكّدته تصريحات جلّ الإدارات والنخب الأميركية كما السعوديّة.

مضيفاً بأن المجتمعان يعيشان حالة استقطاب اقتصادي واجتماعي حاد (من خلال ظاهرة التهميش لفئات معيّنة لاعتبارات عرقية أو مذهبية أو عائلية أو قبلية…)، ويحتل المجتمعان أعلى مراتب سلّم الاستهلاك. منوّها بضرورة  البحث المتعمث حول ظاهرة نسبة الجريمة التي تسجل مستوى عال مقارنة بغيرهما من الدول، معتبراً أن الأمر لا يمكن تجاهله كمؤشر لوجود أزمة قيم عميقة لاعتبار أن بعضهم يسوّق دعوى مفادها أن الوفرة المالية والنظام العام كفيلا بتأمين السلم الاجتماعي.

ومن ناحية أخرى، يقارب اللقيس بين الصلاحيات الهائلة التي يمنحها النظام الرئاسي في أميركا لرئيس الجمهورية لا سيّما في فترة ما بعد 11 أيلول حيث نجح فيها الرئيس جورج دبليو بوش في نقل بعض صالحيات الكونغرس لرئيس الجمهورية بدواعي الحرب على الإرهاب والظروف الاستثنائية، بقوله ” تكاد توازي صلاحيات الملك في النظام السعودي الملكي – ملكية مطلقة”.

  • التشابه في نوعية التحديات التي تواجهانها:

يشير الكاتب بأن طبيعة التحديات النابعة من الداخل تتقدم كأولوية عند كلتيهما كونها ترتبط بمسائل الهوية ، منذ 2001 َ يمكننا الحديث عن تشابه إلى حد التطابق بين تيارات وازنة تبرز عند الطرفَين ترى الصراع على أساس ثقافي – حضاري بدل السياسي وتعتمده في سلوكها السياسي.

تُعانيان اليوم من تحدي” القيادة الملهمة” في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ السياسي، ولا تنفك الأبحاث والدراسات تحاول تحليل هذه الظاهرة، فيعللونها في الغالب بالنظام التربوي وقدرته على إنتاج هذا النموذج القيادي. نادرا ما كانت شخصية الملك أو الرئيس الأميركي تعاني من هذاالانقسام الحاد حولها في المجتمع. الطرفان يعانيان اليوم من غياب نموذج قائد استثنائي خصوصا في الولايات المتحدة الدولة العالمية التأثير، والدور الكبير المنوط لموقع رئاسة الدولة وقدرته القيادية للتوفيق والتقريب والترجيح بين القوى والتأثير بالأحزاب والمؤسسات في أميركا عن أنه يبقى الرئيس يمتلك القوة المعنوية لجهة تمثيلة للشعب.

وقد أوضح الباحث لـ “مرآة الجزيرة” عن هذه النقطة بالقول أن ” محاولة فهم التاريخ مرتبط بالحاضر والمستقبل وصناعة القرار قضية جديرة أن تبحث بمعزل عن أي شيء آخر. الدولة السعودية ليست بدولة بسيطة، هناك حقيقة في الماضي سعي دائم لتحقيق التماسك من خلال إقصاء وترتيب الوضع بما يمنع إنفجار الوضع داخليا، فهم لا تجمعهم الأيديولوجيا أو الفكرة وبالتالي ما يلزمهم بالتزام الحرص على لضبط آليات النظام بشكل يسمح لهم الحفاظ على الاستقرار، وذلك بالاستفادة من تجربتين للتأسيس”.

وقد ذكر اللقيس أن ” تلك الفترة كانت سياسة آل سعود تستند على تدوير الزوايا بين رؤوس النظام واسلوب التراضي كان شائعا أيضا، ما يسمح بأن يتم حصر وتركيز صناعة القرار”.

مستطرداً بالقول أن ما إستجد في المملكة هو الجيل الثالث، بحيث أن الجيلين السابقين كانوا أقرب إلى المؤسس وكان التماسك العائلي ما زال قوياً، ” نحن أمام تحدي وصول الجيل الثالث إلى السلطة، نحن أمام حالة أخطر على صعيد القرار وصناعته، نحن أمام تحدي ليس بقليل على المستوى العائلي في السعودية” .

يوضح اللقيس في حديثه لـ”مرآة الجزيرة” بأن “نظام آل سعود نجح حتى تسعينيات القرن الماضي، بالقول لجماعة الدين لكم التثقيف واتركوا لنا السياسة، مش هينة طريقة التفكير، نجح في موازنة هذه العملية حتى حصل مُتغيّر إقليمي جعل الثقافة سلباً على السياسة”.

الآن تشعر السلطة السعودية بأنهم باتوا غير قادرين على السماح لهذه الثقافة بأخذ كل هذه المساحة، لأنها بات من الواضح أنها تمسك ببنية المجتمع وشريحة واسعة للمجتمع، كما أن إقصاءها عن السياسة لم يعد ممكنا بعد ظهور ما يسمونه الإسلام السياسي الإخواني، كما أن الضغوط الخارجية بدأت تفعل فعلها، “القيم الداخلية باتت تؤثر على السياسة الخارجية”، ما أجبرهم على إجراء تعديلات وهذا الأمر كان قد بدأ قبل محمد بن سلمان، بحسب اللقيس.

ويشرح الباحث لـ”مرآة الجزيرة” بأن “المقاربة السعودية مركبة جدا، فلا يمكن طرح الملف السعودية إلّا ضمن سياق أجزاء مركبة، والحديث عن الدين في السعودية لا يمكن حصره بالوهابية بل تتداخل الاتجاهات الدينية، مع اختلاف تفسيرها للإسلام، فهذه المجموعات الدينية تتخادم بالمصالح” مفسراً قوله بأن ” الساسة السعوديين تبنوا الإخوان اللذين كانوا يتعرضون للقمع من قبل نظام عبد الناصر، فالنظام في السعودية كان بحاجة لهم لسببين الأول في بنية الدولة لافتقاره إلى التخصص، والثاني يريد أن يخلق اتجاه بوجه الناصرية ما يضفي على السعودية لونا إسلاميا”.

وقد أكدّ اللقيس أن “هذا التوجه تعزز أكثر في زمن فهد إبّان الثورة الإسلامية، ما أدى إلى التداخل بين الفكرة الثقافية الوهابية البعيدة عن السياسة والحالة الإخوانية التي أدخلت على المجتمع السعودي. وبالتالي تداخل شيء من الفكر الإخواني مع العقلية الرفضية لدى الوهابية ما ولّد عدة أزمات في السعودية: الأزمة الأولى، عند انتصار الثورة الإسلامية في الفترة ذاتها التي ظهر فيها جهيمان العتيبي، الأمر الذي شكل صدمة لدى القيادة باعتبار ان هناك اتجاهات دينية تنادي بظهور الإمام المهدي وتحرير المملكة من حكم آل سعود في سبيل تحقق الهدف.

عند هذا المفترق، بحسب اللقيس، “اتضح للسعودية بأن عليها صناعة خطاب إسلامي ودعم الوهابية”. ومما زاد من حراجة الوضع بالنسبة للرياض ظهور “أسامة بن لادن” وتيار القاعدة بغالبية سعودية ممن تأثروا بالفكر السروري من جهة والحاضنة الإخوانية من جهة ثانية. ويشير الكاتب في حديثه لـ”مرآة الجزيرة” إلى  أن “كل هذه التوجهات في المملكة غير مسيطر عليها، بمعنى أنه لطالما كان هناك أمراء يدعمون التوجه الوهابي لاقتناعهم بمبادئها وفي الوقت نفسه هناك آخرين يدعمون توجها آخرا، ما يدل على أن السعودية ليست دولة ذات مؤسسات، فصناعة القرار موزعة”، مضيفا بأنه ” انطلاقا من هذا الواقع كان الملك عبد العزيز يحاول ترتيب هذه الأمور بما يخص السياسة الخارجية “.

وعن الولايات المتحدة يوضح اللقيس بأنه ” منذ التسعينيات إلى اليوم أزمة السعودية تتشابه مع أزمة أميركا في غياب القيادة السياسية التي تكون بمستوى التحديات، وباجماع لدى المفكرين بأن النظام الديمقراطي لم يعد ينتج قائد بمستوى التحديات التي تواجهها أميركا وبمستوى طموحاتها”، معتبراً بأن أفضل ما يمكن أن ينتجه النظام السياسي اليوم هو”جورج بوش الابن الذي ألحق أخطاء كارثية، ولاحقا باراك أوباما الذي لم يستطع أن يجري تعديلات جوهرية، وصولا إلى إنتاج ترامب وبايدن”.

مضيفاً بأن بعد عام 2001 أميركا دخلت بـ”أميركا هي الأخرى”، مشيراً إلى ضرورة إعادة دراستها من حيث ديناميكيات العمل، مستشهداً بأن “وصول ترامب ثبّت أن إدارة هذه العمليات لا يمكن التحكم بها، فالديمقراطيون والجمهورييون رفضوا نموذجه، ولكنه وصل بالرغم من كونه من خارج الدولة العميقة، بل اجتهد في محاربتها”. 

مراحل العلاقات السعودية- الأميركية

يقوم الكاتب في هذا الفصل من كتابه، باستعراض سيرورة من المصالح والأحداث التي رسمت معالم تطور العلاقة بين الرياض وواشنطن، مع إظهار أهم الرؤى والمبادئ المتبعة من قبل قاطني البيت الأبيض واختلاف توجهاتهم إزاء ملوك “السعودية” وأولياتهم الخارجية.

أولاً: مرحلة عبد العزيز/ روزفلت –ترومان- إيزنهاور (1932-1953)

يؤمن الكاتب بأن “البداية كانت من خلال شركات النفط في الثلاثينيات من القرن الماضي، ففي العام 1943  سمح الملك عبد العزيز للولايات المتحدة الأميركية ببناء مطار عسكري في الظهران حيث تتواجد شركة أرامكو، وبقيام القوات الأميركية بتدريب القوات الجوية السعودية، فحلّت عام 1951 البعثة العسكرية الأميركية محل البعثة البريطانية في إعداد وتدريب الجيش السعودي. وازدادت وتيرة العلاقة مع انضمامها للتحالف بوجه ألمانيا معلنة الحرب عليها”.

ويشير أن الولايات المتحدة وضعت نصب عينيها الحلول محل بريطانيا في المنطقة، لما شكله موقع المملكة من حاجة في الحرب العالمية الثانية تضاعفت في سياق استعار مسار الحرب الباردة واستراتيجيات الاحتواء. فاستغلّت أميركا موقع السعودية وعدائها للشيوعية الكافرة ومكانتها المؤثرة في 300 مليون مسلم آنذاك، ودفعتها الى توحيد الرؤية في مواجهة الاتحاد السوفياتي مع إعلان إيزنهاور 1957.

أما عربيا، يعتبر الكاتب بأن المملكة الهاشمية الحاكمة في شرق الأردن والعراق مسنودة من بريطانيا الخصم ظلّت تشكل خطرا لآل سعود، وقد فنّد هواجس وتطلعات عبد العزيز بالتالي: فهو يتطلع إلى كيفية تأسيس الدولة وتثبيتها وثانيا الخشية من الهاشميين ومشاريعهم الوحدوية، والمشروع الصهيوني الذي بدأ يتمدد على أرض فلسطين، وآخرها كان انسحاب الإمبراطورية البريطانية لصالح القوة الأولى أميركا.

يربط الباحث بين ما تقدم وآليات الاستجابة التي بدرت عن عبد العزيز، فقد أظهر الحياد في الحرب العالمية على الرغم من ميله إلى الحلفاء وسماحه لأميركا وبريطانيا بالتحليق فوق أراضي المملكة وتقديم الأرض والمطارات تحت عناوين التأجي، وعلى صعيد المشروع الصهيوني قام بمواجهة الطلب الأميركي للحصول على موافقة الملك على مشروع إسكان اليهود في فلسطين باعتبارهم ضحايا النازية بالقول ” للتحمل ألمانيا مسؤولية هذه الجرائم”.

ويرى الكاتب بأن العلاقة وُلِدت بتزامن قل نظيره بين المصلحة الأمنية لتثبيت عبد العزيز دولته، وتلك الاقتصادية التي وفّها الذهب الأسود، والموقع الجيوبوليتيكي وكذلك الخاصيّة الثقافية التي توفرها المملكة فتمّ تكثيف مضمون هذه العلاقة بمعادلة الأمن مقابل النفط، وبات اللقاء الشهير بين المؤسس السعودي وروزفلت الأكثر رسوخا في الذاكرة.

ثانياً: مرحلة سعود/أيزنهاور –كينيدي(1953-1964) 

” سعودياً”، يشير اللقيس في حديثه إلى أن سعود على الصعيد الداخلي، لم يحظ باجماع العائلة، ما أوصل الأمور في نهاية المطاف إلى انقلاب هادئ عليه من قبل ولي عهده فيصل بالتعاون مع بقية أمراء العائلة. أما خارجياً، فيوضح اللقيس بأن سعود قد واجهته بيئة إقليمية عبّرت عنها لحظة بداية الخروج البريطاني وانكفائه عقب حرب 1956 والحالة الناصرية التي اجتاحت الواقع العربي وطاولت الداخل السعودي. مضيفا بأن ظهور خطاب تأميم النفط والدعوة للوحدة، مروراً بحرب السويس 1956 وحلف بغداد وتريّث السعودية في الانضمام إليه لارتيابها من تعزيز موقع الهاشميين ومن موقع بريطانيا، وصولاً إلى تزايد النفوذ المصري مع تأسيس الجمهورية العربية المتحدة وما تشكله من تهديد على إستقرار العرش، كلها عوامل دفعت سعود لخيار المؤامرة والإطاحة بعبد الناصر، بحسب اللقيس.

وبالحديث عن مرحلة جون كينيدي أميركياً، يذكر الكاتب أن الأخير سعى مع بداية عهده في العام 1960 إلى احتواء مصر، لكن ما لبثت أن التقت نواياه مع الملك سعود بعدما تيقن من صعوبة ضمان مصر في المعسكر نفسه. وقد أشار الكاتب إلى الدور الأميركي في الضغط على الملك سعود لتأسيس اتحاد بين ملوك السعودية والأردن والعراق بهدف تعزيز مواقع القوى المحافظة.

وأردف بأن الأمور اتجهت إلى نوع من الحرب الباردة في العالم العربي، وكان اليمن أحد أوجه هذا الصراع،  وخلال تلك المرحلة أيضا اعتمدت المملكة سياسة استقطاب واستيعاب نخب الإخوان المسلمين لمواجهة الناصرية. مضيفا أنه بالنسبة للولايات المتحدة الملك سعود شخص ضعيف ولن يقوى على قيادة المرحلة الخطيرة حينها، وبالتالي لم تمانع من انقلاب “الأمير فيصل”.

ثالثاً: مرحلة فيصل/ كينيدي –جونسون- نكسون (1964-1975) 

شهدت مرحلة فيصل أبرز تحديات العلاقة الأميركية السعودية وأحد أهم فصولها التاريخية، بحسب الكاتب، بالارتكاز إلى سيطرة الأميركي على الفراغ في الخليج بعد انسحاب البريطاني من شبه الجزيرة العربية عام 1971، واخفاق المشروع الناصري على أثر النكسة ووفاة الزعيم الناصري مطلع السبعينات، ثم حرب تشرين عام  1973.

وبرزت تحولات اجتماعية داخلية في “المملكة” من قبيل ظهور فئة المثقفين كامتداد رمزي لطبقة متعلمة تأثرت بأنماط التفكير الغربي التي كانت إحدى الجهود التحديثية، ونتاج احتكاك الشباب السعودي بمنظومة شركة “أرامكو” الضخمة والعاملين فيها الذين قدموا من خارج البلاد، كما شهدت نمو حركة اجتماعية واسعة كشكل من أشكال التمازج بين الفكر الإخواني القطبي مُطعما بالفكر الوهّابي. حيث مارست هذه الحركة شكلاً عصريا من النشاط الإسلامي كان إلى ذلك الحين غائبا عن المشهد السياسي في البلاد، وسرعان ما أصبحت عنصرا محوريا في النسيج الاجتماعي “السعودي” مستفيدة من الخطاب “السعودي الإسلاموي” المستجد مع الملك فيصل.

ما بعد الناصرية دخل العالم العربي مرحلة جديدة، بحسب اللقيس، تمثلت بالحقبة السعودية، معتبراً بأن احتياج واشنطن لفيصل ازداد بهدف استعادة نفوذها المهتز. في تلك الفترة، قام فيصل بتقديم طرح مرتبط بالقضية الفلسطينية يقول بتخلي الصهيونة عن فكرة الدولة العرقية لصالح مجتمع متعدد الطوائف، ما يعني أن هدف فيصل ليس المواجهة بل ايجاد تسوية، متسائلاً إن كان بهذه الخطوة يسعى إلى تقديم أوراق اعتماده لدى الأميركيين مقابل ان يحظى بالزعامة.

وأردف الكاتب بأن العلاقات بين الطرفين واجهت تحد لجهة اختلاف الرؤى، باعتبار أن “الملك فيصل الذي يقدم نفسه بخطاب إسلامي وجد نفسه في تضاد عميق نتيجة تذبذب السياسة الاميركية بين الحاجة إلى النفط وتأمينه لها وبين تبنيها ودعمها المطلق لـ”إسرائيل” ولسياستها التوسعية ونهجها العدواني”.

أورد اللقيس في كتابه بأن إنشاء اللجنة السعودية الأميركية المشتركة للتعاون الاقتصادي أتى بعيد زيارة ريتشارد نيكسون، أول زيارة لرئيس أميركي للمملكة في حزيران 1974، على إثر حادثة حظر النفط جزئيا عن الدول المشاركة أو الداعمة لإسرائيل، وما خلقته من مساحة تنسيق سياسي أكثر من المتوقع في إستمالة مصر وإخراجها بشكل نهائي من المظلة السوفياتية، وصولاً إلى تدخلها السري في إنضاج عملية التسوية إنتهاء بكامب ديفد.

رابعاً: مرحلة خالد- فهد/ كارتر (1975-1982)

فنّد الكاتب هذه المرحلة بالحديث عن بعدين: الأول البعد الإقليمي، حيث شكّل التخلي الأميركي عن الشاه علامة فارقة في الوعي “السعودي”، إذ انبثقت الشكوك في أصل فكرة الحماية التي أقرتها وثيقة الشراكة الاستراتيجية، ما ولّد قلقاً بأن “المملكة” قد تكون التالية. أما في البعد الداخلي، فقد صدمت حادثة جيهمان العتيبي وعي النظام السعودي، حيث جاءت هجمات 1979 من تيار اليمين، وومن وقفوا مع العائلة المالكة بادئ الأمر.

يورد اللقيس في كتابه، بأن سياسة الولايات المتحدة خلال هذه المرحلة قامت كما يرى “خوان كول” على ثلاثة مبادئ وحليفين رئيسين تمثلت في: مواجهة النفوذ الشيوعي، دعم النخب السياسية الدينية المحافظة والنخب التسلطية، وضمان حرية الوصول إلى إمدادات الشرق الأوسط النفطية. أما الحليفان فسيكونان “إسرائيل” و”السعودية”.

مضيفا أن المسؤولين الأميركيين إعتبروا بأن النموذج الوهابي المغرق في المحافظة يشكل عائقاً في وجه الشيوعية والخمينية الشيعية من ناحية، وأن مبادئ مبادئ كارتر أتت كتجسيد للرؤية الاقتصادية الأميركية من خلال تعزيز الحضور الأميركي في منطقة الخليج بما أطلق عليها بـ”دبلوماسية البوارج”.

خاتماً، بأن معضلة “السعودية” تكمن بأنه” إذا كان من السهل بالنسبة لها أن تقاوم الراديكالية العلمانية والشيوعية باعتبارهما نقيض الدين وملحدتين ولا شرعيتين، كيف لها أن تتعامل مع عقيدة ادّعت تمثيل الإسلام الصحيح وشككت بصدقية تبني القيادة السعودية للإسلام”.

خامساً: مرحلة فهد/ ريغن – بوش الأب (1982-1991)

يصف اللقيس في كتابه “الملك فهد” بأنه الرجل الأكثر تأثراً بالقيم الغربية، حيث وضع استراتيجيته “التقدمية العلمانية”، وبادر بإيعاز أميركي لإنشاء مجلس التعاون الخليجي عام 1981 لمواجهة الثورة الإسلامية، ودعم العراق لصدّ النفوذ الإيراني، ولهذا الغرض، بحسب لقيس، بلغت في تلك المرحلة سياسة “الديبلوماسية الدينية” ذروتها وتضاعف الإنفاق على المؤسسات الدينية من قبله بهدف القتال في أفغانستان ولتأكيد الهوية الدينية للـ”مملكة” مقابل إيران. كما ساهم النظام السعودي في تأمين حُسن سير عمليّة التسوية التي انطلقت عام 1991،كما أمن الغطاء لحربين على المقاومة اللبنانية في عامي 1993و 1996 لتصفية المعترضين على عملية السلام من قوى المقاومة في لبنان وفلسطين.

سادساً:مرحلة فهد- عبد الله / بوش الأب – كلينتون (1991-2001)

إن الأفكار والتصورات لما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي هي الحواضن التي تفسر سياسات هذه المرحلة ، بحسب اللقيس، فقد ذهبت إدارة بوش الأب إلى تبني مبادئ التواجد العسكري المكثف في المنطقة للدفاع عن دول الخليج وإبرام التسوية بين الأنظمة العربية و”إسرائيل”. وتمّت ترجمة هذه المبدأ من خلال إبرام معاهدات أمنية دفاعية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، تنص على وجود عسكري دائم وعلى منح أميركا قواعد عسكرية في عدة دول خليجية.

أما بالحديث عن بيل كلينتون فقد عبّر اللقيس في مؤلفه عن أن” تصوراته شكلّت مدخلاً جديدا في النظرة للعلاقات الدولية والعالم”، لتقديمه مفهوماً جديدا حول سياسته في الخارجية بـ”التوسع” بدلاً من “الإحتواء”.

مشيراً إلى أن الأداء السعودي في تلك المرحلة لم يسلم من الاتهام، وخاصة من جانب بعض التيارات الإسلامية التي رأت في سياسات هذا النظام سبباً في وجود القوات الأميركية في المنطقة واستدامتها فقررت المواجهة، عبر سلسلة من التفجيرات التي ضربت مدينة الخبر في العام 1996، ورفض وزير الداخلية حينها نايف بن عبد العزيز السماح للمحققين الأميركيين من هيئة التحقيق الفيدرالية بالمشاركة في التحقيق، ليأتي بعدها أول طرح من قبل نائب الرئيس الأميركي عن دعم السعودية للجهاديين كخطر يجب الوقوف عليه بعد طول تغاضي، وأن أميركا ستعتبر تنظيم القاعدة تنظيماً إرهابياً منذ 1999.

إقليمياً تراجع دور المملكة في تلك الفترة، بحسب اللقيس، دالاً على ذلك بإزالت حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفياتي للحواجز التقليدية للوجود الغربي المباشر في منطقة الخليج. بشكل خاص بعد سعي الرياض لإنجاح عملية السلام في بيروت لسحب الذريعة من خصومها وعلى رأسهم إيران، وما يعدّ فرصة لإخراج سوريا من محور المقاومة، ما انعكس سخطا “سعوديا” على إدارة بيل كلينتون بدعوى أنها لم تمارس الضغط الكافي لاجبار “اسرائيل” بعملية السلام.

في الحلقة القادمة، إستعراض لأهم محطات الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن ومحددات علاقته مع آل سعود.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى