ــالنشرةتحليلات

أمريكا تتخلى عن مهمة الحماية والرياض لا تزال تعيش “الصدمة”

مرآة الجزيرة ـ وديع العبسي

في أبريل الماضي أعطى بايدن توجيهات ببدء سحب بعض القوات والقدرات العسكرية الأمريكية من منطقة الخليج.

في يونيو، بدأ البنتاغون بسحب 8 بطاريات مضادة للصواريخ ونظام “ثاد” المضاد للصواريخ من السعودية، إلى جانب تقليص أساطيل المقاتلات النفاثة المخصصة للمنطقة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، كشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن الولايات المتحدة سحبت بعض منظوماتها الدفاعية المتطورة بما فيها بطاريات صواريخ “باتريوت” من السعودية مع سحب القوات الأمريكية من افغانستان.

تتابعت الخطوات الأمريكية العملية لرفع يدها من المنطقة ومنها السعودية، ليرتفع صوت الرياض مناشدة واستجداء لأمريكا بالتريث والتفكير مليا في القرار، بل وبالتزاماتها تجاه المملكة التي وصفها الرئيس الأمريكي بايدن بـ”المنبوذة”.

وقال الرئيس السابق للاستخبارات السعودية وسفير المملكة لدى واشنطن سابقا تركي الفيصل أن “الولايات المتحدة يجب أن تفكر بجدية في إظهار الدعم للشرق الأوسط الآن، وخاصة بعد ما وصفه بـ”الانسحاب الفوضوي” للولايات المتحدة من أفغانستان وقال الأمير السعودي لـ “سي إن بي سي”: “أعتقد أننا بحاجة إلى طمأنة بشأن الالتزام الأميركي.. على سبيل المثال، عدم سحب صواريخ باتريوت من المملكة العربية السعودية في وقت تتعرض فيه المملكة لهجمات صاروخية وهجمات بطائرات بدون طيار – ليس فقط من اليمن، ولكن من إيران”، حسب قوله.

ما يمكن قراءته من رد الفعل الغريب هذا، انه لا يدل فقط على حالة العجز والارتهان الذي بلغته السعودية لسلاح امريكا وقدراتها، وانما أيضا عجزها عن اتخاذ قرار البداية للاعتماد على الذات وهي الدولة الغنية بالنفط والأكثر اقتناء للسلاح الدفاعي والهجومي على مستوى العالم.

الباحث السياسي علي مراد

يذهب الباحث السياسي علي مراد في تصريح ل”مرآة الجزيرة” الى أنه في ربيع عام ٢٠١٦ أفصح أوباما عن نظرة مؤسسات الأمن القومي الأميركية تجاه حلفاء أميركا في الشرق الأوسط وعلى رأسهم السعودية. آنذاك كان يخبرهم بتوجّه واشنطن في السنوات اللاحقة، في مسألة عدم القدرة على توفير الحماية لهؤلاء كما كان الحال منذ عقود، وبأنهم يجب أن يتعلّموا خوض حروبهم بأنفسهم ويعتمدوا على ذواتهم.

في ذاك الحين ايضا تصدر تركي الفيصل مشهد المناشدة ليكتب مقاله الشهير «لا يا سيد أوباما».. يتابع المحلل السياسي علي مراد بالقول: العقل السعودي آنذاك لم يتقبّل مجرد فكرة أن يهيّأه الأميركيون لاستيعاب حقيقة الاستراتيجية الأميركية الجديدة، وعمل محمد بن سلمان – كما آخرون – على امتداد السنوات الخمس الأخيرة على محاولة ثني واشنطن عن قرارها ولكن أولويات الأخيرة في الصراع مع الصين أكبر من بن سلمان وكل أتباع واشنطن في المنطقة.

منظومة بلا فعل

في ال 27 اغسطس بدأت القوات المسلحة اليمنية (الجيش واللجان الشعبية) بضرب العمق السعودي وعصب الاقتصاد الذي تعتمد عليه، اذ نفذت قوات صنعاء عملية “توازن الردع الأولى”، فاستهدفت بـ 10 طائرات مسيَّـرة، (حقل ومصفاة الشيبة النفطيين) جنوب شرقي المملكة على بعد 10 كيلو مترات من الحدود مع الإمارات، ويعتبر الحقل من أهم الحقول النفطية السعودية، ويوصف بأنه منجم ذهب يتجاوز إنتاجه مليون برميل يوميًّا بدخل يومي متوسط يبلغ خمسين مليون دولار..

ادت الهجمة اليمنية لتعطيل إمدادات العالم من النفط، حينها أرسلت الولايات المتحدة الآلاف من الجنود وبطاريتي لمنظومة صواريخ باتريوت ومنظومة “THAAD” الحرارية للدفاع الجوي عالي الارتفاع.

توالت الضربات ولم يكن لهذه الدفاعات تأثير أو فاعليه، كما شهد بذلك واقع إصابة الاهداف.

ورغم استمرار هذا التهديد على السعودية ومنشآتها والناجم عن حربها على اليمن، يأتي القرار الامريكي متجاوزا مخاوف الرياض من انكشاف الغطاء.

ستيفن برين، نائب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية السابق وزميل أول الدراسات الدفاعية في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية، يرى إن خطورة خطوة بايدن الأكبر في رمزيتها: “إدارة ظهر واشنطن للأصدقاء في السعودية بينما يواجهون خطرًا حقيقيًا من هجمات الحوثيين ومن خلفهم إيران”” والكلام له.

يقول المحلل السياسي علي مراد في تصريحه ل”مرآة الجزيرة”: ما يحصل اليوم هو بدء مرحلة تنفيذ ما كان أوباما قد تحدث عنه عام 2016، وهذه المرحلة أخّرها ترامب لأربع سنوات بعد صفقته مع بن سلمان، وإن كان قد التزم بما أراده البنتاغون ومحمع الاستخبارات عندما تجنّب التورّط بحروب بن سلمان في المنطقة، رغم ان الأخير دفع له مئات المليارات، وأعطاه – كما نتنياهو – مسألة الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، لكن عملياً كانت السعودية مكشوفة لضربات اليمنيين ولم تقدّم واشنطن لها شيئاً ذا قيمة حقيقية ضمن تعهّد كارتر القديم بحماية الرياض. يضيف مراد: نحن اليوم في مرحلة الصدمة لدى حكّام الرياض، وعليهم أن يعتادوا على الأمر. لم يعد هناك أميركا لتحميهم ولن يكون هناك أي نظام غربي قادر على ملئ الفراغ الذي سيخلّفه تخلي أميركا عن مهمة الحماية.

الهروب الى الهاوية

لم تركن السعودية إلى التطمينات الأمريكية المتلاحقة باستمرار التعاون والالتزام بالدفاع عنها، وفيما يبدو كرد فعل للخطوة الامريكية، بدأت تبحث عن البديل.

خلال الايام الماضية كشف موقع “بريكينغ ديفينس” الأميركي المختص في الشؤون العسكرية أن السعودية تواصلت مع “إسرائيل” بشأن “إمكانية شراء أنظمة دفاع صاروخي إسرائيلية الصنع”.

الموقع أشار إلى أن القرار السعودي يأتي عقب إزالة الأنظمة الصاروخية الأميركية التي اعتمدت عليها المملكة لفترة طويلة، مضيفاً “أن اهتمامها بالأنظمة الإسرائيلية وصل إلى مرحلة عملية جداً”.

واوضح الجنرال المتقاعد، جيورا إيلاند، المدير السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لإدارة التخطيط في قوات الاحتلال الإسرائيلي، للموقع، أنه يتوقع “ألا تعترض واشنطن على بيع هذه الأنظمة الإسرائيلية إلى دول الخليج الصديقة”.

هروب السعودية العشوائي والاستعانة بالكيان الاسرائيلي إنما يعبر عن حالة الانهيار، ومؤشر على الاستعداد للتحالف مع الشيطان، طالما وعقود طويلة من الزمن ظلت السعودية فيها رهينة النفط، متكئة على  دفاع الآخرين عنها طالما تدفع المال.

الاربعاء، ارسلت اليونان منظومة صواريخ “باتريوت” إلى السعودية، على سبيل الإعارة بموجب اتفاق جرى توقيعه بين البلدين. في ابريل الماضي.

ونشر رئيس هيئة الأركان اليونانية، كونستيندينوس فلوروس، عبر حسابه على “تويتر” صوراً لحفل وداع المنظومة مع قوات يونانية محدودة تابعة للجناح القتالي 114، على ما يبدو انها ستكون المُشغلة للمنظومة.

ثم وبشكل متأخر جدا، قالت السعودية انها تتجه لإنشاء هيئة باسم “الهيئة العامة للتطوير الدفاعي”، مهمتها القيام بأنشطة البحث والتطوير والابتكار ذات الصلة بمجالات التقنية والأنظمة الدفاعية ووضع سياساتها واستراتيجياتها.

الحمل الثقيل

لم بعد من شك ان العلاقة السعودية الأمريكية في مرحلة انحدار حاد رغم ما قد يطرأ احيانا على السطح من تصريحات تؤكد عمق العلاقات واسترتيجيتها.

من اوباما إلى بايدن مرورا بترامب، تتعزز القناعة الأمريكية بتقليص الوجود في المنطقة، اما سحب بطاريات الباتريوت رغم أن التهديدات التي تم نشرها بسببه لا تزال قائمة، لعله مؤشر على أن السعودية باتت حملا ثقيلا على امريكا تريد رفعه أو على الاقل، حملا لا يكون مكلفا.

تنقل وكالة “أسوشييتد برس” عن الباحث كريستيان أولريشسن، قوله: “من وجهة النظر السعودية، يرون (السعوديون) الآن أوباما وترامب وبايدن ثلاثة رؤساء متعاقبين- يتخذون قرارات تدل إلى حد ما على التخلي”.

وباستعراض سريع لشواهد هذا الانحدار في العلاقات والذي يبلغ ذروته كما يبدو مع مجيئ بايدن للبيت الأبيض، نجد الأخير قد عمد إلى الكشف عن الوثائق المتعلقة بمقتل خاشقجي، والمؤكدة لتورط ابن سلمان شخصياً في الأمر، رفع السرية عن وثائق التحقيق بهجوم ١١ سبتمبر التي تدل على تورط السعودية في الأمر بشكل أو بآخر، سحبت الولايات المتحدة بطاريات صواريخ باتريوت من السعودية مع استمرار “حاجة السعودية إلى أنظمة دفاع جوّي متطورة في ظل الهجمات التي يشنّها اليمنيون على الأراضي السعودية، رداً على الحرب السعودية المستمرة على الأراضي اليمنية”.. ثالثا، توجه السعودية لتوقيع اتفاقية للتعاون العسكري مع روسيا، في موسكو، نهاية آب/ أغسطس الماضي، وتلويح امريكا مقابل ذلك بتفعيل القسم 231 من قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات (CAATSA) كاتسا”، واخيرا من شواهد تأخر هذه العلاقات، إرجاء زيارة وزير الدفاع الامريكي لويد أوستن للسعودية، التي كانت مقررة ضمن جولته الخليجية خلال الأسبوع الماضي، بسبب “مسائل تتعلق بالجدول الزمني”، في الوقت الذي استقبل فيه محمد بن سلمان، وفد من “الدوما” الروسي. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى