ــUncategorizedآية الله الشيخ الراضيالنشرةدراسات وبحوث

“منابع التكفير والإرهاب وخطر العقول المفخّخة”: مخاطر التكفير وآثاره على الأمّة الإسلامية (الحلقة 2)

مرآة الجزيرة ـ زينب فرحات

 تحت عنوان “خطر التكفير في الكتاب والسنّة”، يفتتح المؤلف الفصل الأول من الكتاب والذي يتناول تعريف الكفر في اللغة، وأقسام الكفر في القرآن مبيناً أنه ثمّة عدّة أنواع للكفر ينهى القرآن الكريم عنها جميعاً لما تسبّبه من تشنّجات وتفرقة بين الناس، والكفر بمعناه الواسع يشمل أيضاً التنابز بالألقاب، والهمز واللمز والتجسّس والغيبة وسوء الظن والسخرية والاستهزاء بالآخرين وتكفيرهم. كل هذه الأفعال التي تكاد تكون “طبيعية” في أيامنا هذي هي أبوابٌ واسعةٌ للكفر الذي لا يتسامح الله مع صاحبه أبداً، بل يتوعّد له بعذابٍ أليم. في هذا الفصل أيضاً، يبيّن سماحة المحقّق الشيخ حسين الراضي التشابه بين أفعال الصهاينة والتكفيريين في القرآن، والصلة الوثيقة بين الصهاينة والتكفيريين اليوم، الذين يتوعّدهم الله بالعذاب نتيجة التكفير الذي يمارسونه على المسلمين.  

أنواع الكفر وعقابه

في الفقرة الأولى، يعرّف المؤلف مصطلح الكفر والذي يعني “الستر” في اللغة، وفي الدين “ستر الحق، إما بجحود الوحدانيّة لله أو النبوّة أو الشريعة أو ثلاثتها، ويطلق الكفر على أشياء عديدة ومنها عدم شكر النعمة والجحود فيها”. ولهذا الكفر أقسام، يتحدّث عنها سماحته في الفقرة الثانية التي تندرج تحت عنوان: أقسام الكفر في القرآن، فعلى على خلاف ما يعتقد الناس، للكفر أنواع عديدة في القرآن، ويستشهد الكاتب بأدلّة قرآنية وروايات عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ليخلص إلى أن الكفر لا ينحصر بمن يجحد بالوحدانيّة لله، وليس كل من يطلق عليه كلمة الكفر يصدق عليه عنوان الجحود للمبدأ والمعاد ويخرج من الإسلام، بل قد يصدق عليه أحد العناوين الأخرى كعدم شكر النعمة. ويلفت إلى أمر غاية في الأهمية يقع فيه المتشدّدين الذين يكفّرون الناس لأبسط الممارسات، كزيارة القبور والتبرّك بالأضرحة، أو الإستغاثة أو النداء ثم يحكمون على هؤلاء الناس بالخروج من الدين، وحلية دمائهم وسبي نسائهم، وحلية أموالهم، مع العلم أن زيارة القبور هي واحدة من الطقوس والممارسات الدينية المشروعة لدى طوائف دينية معينة ولا يحق لأحد أن يحرمها هذا الحق، بالتالي فإن تكفير الناس على أفعال مشروعة وتعد حقاً طبيعياً هو كفر.
 

لكن في المقابل، ينهى القرآن الكريم عن تكفير الآخرين، لذا دعا سماحته للتبيّن من الحقائق قبل أي حكم يتم إطلاقه على الناس لأن في ذلك مسؤولية شرعيّة كبيرة، وقد كثرت الآيات القرآنية التي تدل على هذا الأمر بوضوح، على سبيل المثال، “فتبيّنوا إن الله كان بما تعلمون خبيراً”، وهنا ذكر الله التبيّن قبل التسرّع في الحكم على الآخرين بالكفر وإخراجهم من الإسلام. ما يريد قوله سماحته إنه ليس كل من نختلف معه في الرأي هو كافر فقط لمجرّد أنه له رأي يختلف عن رأينا، فليس هناك فرداً له حق الزعم بأنه صاحب الحق المطلق بشكل حصري دون الآخرين. لذلك، لم يكتف القرآن بالنهي عن التكفير بل منع أيضاً أسباب التشنّج التي تؤدي إلى ظاهرة التكفير، وهذا ما يذكره الشيخ الراضي في الفقرة الرابعة من الفصل الأول.   

يشدّد سماحة الشيخ على تجنّب التنابز بالألقاب وهو مصداق الآية الكريمة “يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم”، والمراد من هذه الآية هو أن الله يعيب على المؤمنين التخاطب بعبارات بذيئة ومبتذلة وأن يتهموا بعضهم البعض بالفسق وهم مؤمنون، مهما بلغ بينهم الاختلاف، وهو الأمر الذي يؤكده في آية أخرى: “إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله”. وفي هذا السياق يقول سماحته: “الانتقاص من الآخرين والاستهزاء بهم ودعوى التفوّق والأحقيّة على الآخرين والتنابز بالألقاب والمنتفض والمستهزئ هو الذي يملك الحقيقة وغيره أو أن مخالفه لا يملك منها شيئاً، كل ذلك يشكّل سبباً من أسباب التكفير للطرف الآخر”. هذا كله في الاستهزاء والتنابز بالألقاب والغيبة للمسلمين متسائلاً فكيف حينئذ بتكفيرهم والحكم بقتلهم وسبي نسائهم وحلية أموالهم؟ وهي مبادئ قرآنية ثابتة تدفعنا للتساؤل عن أفعال التكفيريين الذين ينتشرون في العالم الإسلامي ويقتلون الناس باسم الله على خلفية عباداتهم وآرائهم المختلفة والطقوس الدينية التي يمارسونها. إذا كان الله واضحاً في قوله إن تكفير الآخرين محرّم لمجرّد أنهم مختلفين فمن أين جاؤوا التكفيريون بدينهم؟  

الصهاينة والتكفيريين  

في الفقرتين التاليتين يتحوّل الكاتب للحديث عن التشابه بين الصهاينة والتكفيريين في القرآن، وأوجه الشبه بينهما اليوم. يبيّن هذا التشابه في الآيات الكريمة التي عصى فيها بني اسرائيل الله وباشروا بقتل بعضهم البعض وأيضاً تشريد بعضهم البعض. وتقول الآية الكريمة: “وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منهم من ديارهم”. وبالتالي فإن ما كان يستخدمه بني اسرائيل فيما بينهم من تقاتل وتهجير بعضهم بعضاً هي نفسها هذه الجرائم يرتكبها شريحة واسعة من المدّعين للخلافة الإسلامية ويقتلون المسلمين ويقطعون رؤوسهم من الوريد إلى الوريد ويشقون البطون ويأكلون القلوب والأكباد، ثم يتباهون بكل هذه الأعمال الشنيعة، وهؤلاء هم التكفيريون المدعومون من الولايات المتحدة والصهاينة بذريعة الدفاع عن الإسلام في العراق وسوريا ولبنان وليبيا وغيرها. ولذلك، “بنو اسرائيل لم يفوا بعودهم التي أخذها المولى عليهم فأصبحوا يقتلون بعضهم بعضاً ويتحالف بعضهم مع الخارج ضد بعضهم الآخر وتدور بينهم حروب طاحنة والمنتصر يهجر المهزوم ويخرجه من دياره”.  

سماحة الشيخ المعتقل يعود ليؤكد لنا في الفقرة الثامنة: تهديد الله للتكفيريين، أي أن الله لا يسامح كل من تسبب في تفريق الدين وتمزيقه وتشويه سمعته وتحويله من القوّة إلى الضعف ولو كان باسم الدين ومصلحته، فهم بالنتيجة سوف يصبحون شيعاً أي فرقاً متعدّدة وأحزاباً مختلفة. ولعل أذية المؤمنين هي من أشدّ الأمور التي تغضب الله تعالى، إذ يقول: “إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإنما مبيناً”، ذلك أن “الله يحمّل المسؤولية لعديمي التفكير والمشاغبين الذين يفرّقون الدين إلى فرق وأحزاب ومذاهب وينزّه رسوله الكريم عن كل ذلك، وأن هؤلاء مهما ادعوا أنهم يحافظون على الدين ويدافعون عنه وهم يتصوّرون أنهم يحسنون صنعاً ويذهبون إلى الجنة ويحضنون الحور العين كما في أيامنا الراهنة يبيدون المسلمين كما يبيدون الحشرات باسم الدين والخلافة، هؤلاء قد حكى عنهم القرآن بقوله: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فإن أمر هؤلاء المجرمين إلى الله وسوف يحاسبهم حساباً عسيراً على شنيع فعلهم”.    

وفي ختام الفصل الأول، يذكر المؤلف روايات أهل السنة التي تحذّر من التكفير، والتي تنقسم إلى قسمين، القسم الأول يدل على أن من يتشهّد بالشهادتين ويصلي ويتوجه إلى الكعبة ويأكل ذبيحة المسلمين فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. والقسم الثاني تحذّر فيه الروايات من تكفير المسلم مهما كان مذهبه وعرقه ولونه ولغته، ومن هذه الروايات، رواية عن أبي هريرة نقلاً عن رسول الله: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما”. ويسرد الكاتب العديد من الروايات التي تدعم هذا الرأي، وصولاً إلى الفقرة الأخيرة التي يختم فيها الفصل الأول بعنوان: غلطة التعصّب الديني ليخلص بعد سرد سلسلة أخرى من الروايات والآيات القرآنية إلى رفض تضليل المعتزلة وتسفيه أحلامهم كما يرفض تجهيل أهل السنة وتحقيرهم واتهامهم بالجهالة والجمود والهوى. 

آثار التكفير على العلاقات الاجتماعية 

يواصل الكاتب حديثه عن التكفير مبيناً آثاره الخطيرة على المجتمع، ذلك أن تكفير الآخرين يخلق العداواة بين الناس والتفرقة وقد يدفعهم نحو الاقتتال. في الفصل الثاني: التكفير وعوامل اضطراب الأمن الاجتماعي، يناقش المؤلف السلوكيات البشرية السيئة في العلاقات الاجتماعية والتي ينهى القرآن عنها بشدّة بما في ذلك السخرية والاستهزاء، اللمز والهمز، التنابز بالألقاب، مثلاً إطلاق تسمية “الروافض” على الشيعة أو ما يصدر من بعض الشيعة أو السنة بحق بعضهم، وكذلك سوء الظن، التجسّس، الغيبة، التكفير الذي يصفه بأنه “قنبلة موقوتة متى ما انفجرت قضت على المجتمع”. وفي الاستهزاء الذي يعد واحدة من أبرز آفات العلاقات الاجتماعية يقول سماحته: “مجرّد الاعتقاد أو التصوّر أنه هو أم طائفته أو مذهبه أو حزبه أفضل من الآخرين وأحسن منهم حتى يبرّر لنفسه الانتقاص ممن يختلف معه وهذا ما دأبت عليه مع الأسف الشديد البلدان التي تعتمد التمييز الطائفي والمذهبي بين مواطنيها”.  

الإسلام: دين آمن 

اهتمّ القرآن الكريم ببناء المجتمع الإسلامي على أساس المعايير الاجتماعيّة والأخلاقيّة، فإنه بعد البحث عن وظائف المسلمين في مورد النزاعات والمخاصمة بين طوائف المسلمين المختلفة، يبيّن الله تعالى في كتابه المجيد: “يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءً من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”. وفي آية أخرى يقول تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنّ إن بعض الظن إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله توّاب رحيم”. وبحسب سماحته “إن كرامة الأخ المسلم وسمعته كلحم جسده وابتذال ماء وجهه بسبب اغتيابه وإفشاء أسراره الخلفية كمثل أكل لحمه، وكلمة ميتاً (في الآية الآنفة الذكر) للتعبير عن أن الإغتياب إنما يقع في غيا الأفراد فمثلهم كمثل الموتى الذين لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم وهذا الفعل أقبح ظلم يصدر عن الإنسان في حق أخيه”.  

الإسلام يريدُ أن يحكم المجتمع أمن مطلق، ولا يكتفي بأن يكفّ الناس عن ضرب بعضهم بعضاً فحسب، بل أسمى من ذلك بأن يكونوا آمنين من ألسنتهم بل وأرقى من ذلك أن يكونوا آمنين من تفكيرهم وظنهم أيضاً وأن يحسّ كل منهم أن الآخر لا يرشقه بنبال الاتهامات في منطقة أفكاره. وهذا الأمن في أعلى مستوى، ولا يمكن تحقّقه إلا في مجتمع رسالي مؤمن، فقد قال الشهيد الثاني: فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم وقد قال النبي: “إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وماله وأن يظنّ به ظنّ السوء، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم والمال وهو متيقن مشاهدة أو بينة عادلة أو ما جرى مجراهما من الأمور المفيدة لليقين أو الثبوت الشرعي”. كما قيل في سوء الظن إنه “باعث على التجسّس والتجسّس باعث وعلى كشف الأسرار وما خفي من أمور الناس والإسلام لا يبيح أبداً كشف أسرار الناس وبتعبير آخر إن الإسلام يريد أن يكون الناس في حياتهم الخاصة آمنين في كل الجهات وبديهي أنه لو سمح الإسلام لكل أحد أن يتجسّس على الآخرين فإن كرامة الناس وحيثياتهم تتعرض للزوال وتتولّد من ذلك حياة جهنمية يحسّ فيها جميع أفراد المجتمع بالقلق والتمزّق. وبالطبع فإن هذا الأمر لا ينافي وجود أجهزة مخابرات في الحكومة الإسلامية لمواجهة المؤمرات ولكن هذا لا يعني أن لهذه الأجهزة حق التجسّس على حياة الناس الخاصة”. ووفق الشيخ  الراضي إن ما يجري في العالمين العربي والإسلامي كله متطابق مع ما تقوله هذه الآية المباركة قبل 1400 عام: “ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً”. ذلك أن التكفير ينتشر في العالم وها هو يطال مئات الآلاف من البشر حتى ممن اختلقه وموّله ونشره.  

سماحة المحقّق يذكر بعض الروايات عن أهل السنة التي تدعو إلى نبذ الكفر وتحذّر منه، على سبيل المثال، أخرج البخاري في صحيحه عند عبدالله بن عمر أن رسول الله قال: “أيّما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما”. وعن عمر أن النبي قال: “إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما”. وعن عمران بن حصين قال رسول الله: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو قتله. أيضاً حرص أئمتنا الكرام (ع) على عدم التكفير والابتعاد عما يؤدي إلى ضعف الإسلام وقد عرفوا الإسلام بما لا يختلف عن الروايات الصحيحة القائلة أن الإسلام هو شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتصديق ما جاء به النبي العظيم مع الالتزام بالضروريات. وفي السياق نفسه، يلفت المؤلف إلى أن أوّل المكفّرين في الإسلام هم الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين (ع) بعد حرب صفّين ودخلوا معه في قتال قضى على أكثرهم ومن ترهاتهم ومؤاخذاتهم على أمير المؤمنين أنه “حكم في دين الله، محا اسمه من إمرة المؤمنين في الاتفاق بين أهل الشام وأهل العراق، لم يسب المساء عندما قاتل في الجمل”.  

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى