ــالنشرةتقارير

مركز الدراسات الاستراتيجية: الانفتاح “السعودي” غير كافٍ!

مرآة الجزيرة

يستهل مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن “جونب. ألترمان” في مقاله بتبيان خطوات السعودية “الإنتقالية” التي تنتهجها، إن كان لجهة بذل جهود في سبيل إنهاء الحرب على اليمن، وموقفها الأقرب إلى الحياد والصمت من إعادة إحياء مفاوضات برنامج إيران النووي، كما وسعيها لشق طريق للحوار مع طهران للحد من التوترات، هذا على الصعيد الخارجي.

أما على الصعيد الداخلي، اعتبر الكاتب بأن مساعي بن سلمان لم تتوقف مستشهداً بإطلاق سراح العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص من السجون السعودية خلال الآونة الأخيرة. مستطرداً بالقول إن “السعودية” تبدو مستاءة من موقف إدارة بايدن تجاه هذه التغييرات، على اعتبار ان الرياض تقدم الكثير دون أن تحصد ما يوازيه من مقابل. كما يعبر “السعوديون” عن دهشتهم من أن المملكة تمر بتحول أعمق في الاقتصاد والمجتمع أكثر من أي تحول في تاريخ البلاد، وهو يحدث بسرعة فائقة، ومع ذلك فإن أقرب وأهم شريك لهم لا يلاحظ ولا يهتم.

وتساءل المحلل الأمريكي عن ما إذا كان سيأتي وقت تفسر فيه القيادة السعودية عدم اهتمام الإدارة الأمريكية باعتباره موقفا دائما وتتصرف وفقًا لذلك، لافتا، في معرض الإجابة، بأن العديد من الأمريكيين “يرحبون” بذلك لو حدث، “لكن من المحتمل أن يندموا عليه”.

وذكر “ألترمان”، في تحليل نشره الموقع الرسمي للمركز، أن العلاقات السعودية الأمريكية أشبه بلغز تتداخل فيه المصالح المشتركة مع الاختلاف العميق في القيم وتعريف دور الدولة.

فرغم أن لكل من البلدين تاريخ طويل في الاعتقاد بلعب دور فريد في مشيئة الله للعالم، إلا أن دور كل منهما كانت مختلفة بشكل كبير، إذ ظل النظام الأمريكي مبنيًا على الفصل بين الكنيسة والدولة، مع تكريس حرية الدين في الدستور، بينما ينص القانون الأساسي للسعودية على أن الإسلام هو دين المملكة، وأن “القرآن الكريم وسنة النبي” هو دستورها.

وإزاء ذلك فإن التوقعات بشأن مستقبل تكون فيه “السعودية” وأمريكيا “شريكين” تبدو غير مرجحة، حسبما يرى “ألترمان”، الذي أشار إلى وجود جيوب من “السعوديين المتأمركين” في مجتمع المملكة، وإلى تبني القيادة “السعودية” لانفتاح اجتماعي غير مسبوق، لكن ذلك بدا غير كاف لاهتمام الإدارة الأمريكية الحالية، برئاسة “جو بايدن”.

وأشار “ألترمان” إلى تاريخ نصف قرن من الالتزام المشترك بين الطرفين لمناهضة الشيوعية وضمان أمن الطاقة العالمي، مؤكدا أن هذين الأساسين ظلا كافيين للتغلب على أي اختلافات بينهما إلى أن تزعزعت صيغة الشراكة تلك بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، (إذ باتت مكافحة الإرهاب أولوية في تصنيف المصلحة الاستراتيجية الأمريكية) ثم زاد هذا التزعزع بتطورات أمن الطاقة، التي جعلت مستقبل النفط على المحك.

وإزاء ذلك، فإن مستقبل العلاقة الأمريكية السعودية بات أكثر غموضاً، وهو ما يؤكد “ألترمان” أن السعوديين يدركونه جيدا، ولذا يحاولون بقوة تغيير المملكة لمواجهة تحديات القرن الجديد (عبر التحول الاقتصادي والاجتماعي).

وعن مصلحة الولايات المتحدة الأميركية في هذا التحول الذي تشهده المملكة، ينقل الكاتب وجهة نظر متداولة في واشنطن تفيد بعدم جدوى خطة التحول السعودية، على اعتبار أن تحول مصادر الطاقة سينهي تدريجيا مفهوم ثروة النفط، ولن تكون الولايات المتحدة بحاجة إلى معظم دول الشرق الأوسط.

ومع ذلك، يشير الكاتب إلأى ضرورة  بدء الولايات المتحدة في رفع المخاطر وتقليل الانكشاف الأمريكي. لافتاً إلى احتمال “تقاتل” دول المنطقة على ما تبقى من ثروتها المتناقصة.

وفي الوقت نفسه، ومع تراجع المصالح الأميركية في المنطقة لكن لا بد بحسب الكاتب من منع سقوطها الحر، على حد وصفه، على اعتبار أن تحقق هذا الأمر يُعد خطرا حقيقيا على الأمن القومي الأميركي. ففي منطقة يبلغ عدد سكانها نصف مليار نسمة، لبهم من الشباب، يشير “ألترمان” إلى أنه ليس من الصعب تخيل ما يمكن أن يحدث في حال اليأس العام، فتصاعد الإرهاب احتمال قائم، والهجرة الجماعية عبر البحر الأبيض المتوسط أيضا​، فضلا عن الإضرار بالاقتصاد العالمي جراء تقلب أسعار النفط، الذي سيظل الاعتماد علي قائما لعقود قادمة.

وقد لفت الكاتب بأن لا يهتم جميع شركاء “المملكة العربية السعودية” المحتملين كثيرًا بأي منهما. بالنسبة للسعوديين ، سيكون هذا عملاً شاقًا وسيستغرق عقودًا. حان الوقت الآن لجعلها جزءًا أساسيًا من استراتيجية الولايات المتحدة تجاه المنطقة.

وبينما يدعي العديد من الأمريكيين اللامبالاة (بمستقبل الشرق الأوسط)، فإن “ألترمان” يرى أن للولايات المتحدة مصلحة في تسهيل انتقال المنطقة إلى اقتصادات أكثر تنوعًا، كما أن لديها مصلحة في تشجيع شركائها على أن يكون لديهم مجتمعات أكثر انفتاحًا، ومرونة في مواجهة التغيير العالمي.

ويرى المحلل الأميركي بأن “المملكة العربية السعودية” ليست المستهدف الوحيد لإعادة التوجيه تلك، لكنها من أهم الدول المستدفهة، لما للسعوديين من نفوذ واسع في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وقدرة مادية. مضيفا بأن التغيير الجاري في “المملكة” لا يقتصر على التوجه القيادي، بل يطال الشباب السعودي المتحمس لإعادة تعريف بلدهم ودوره في العالم.

يختم المحلل السياسي الأميركي مقاله بالاستشهاد بالتحول الذي طرأ على الرأي العام الأميركي بشأن القيادة السعودية، وتحديدا “محمد بن سلمان”، بعد مقتل جمال خاشقجي والمضايقات التي يتعرض لها المنتقدون، كما الحرب المدمرة على اليمن، وسلسلة من التحركات الأخرى التي تبدو متهورة من قبل ولي العهد، حيث يسجل تراجع في التأييد الجماهيري والرغبة في ضمان نجاح مهمة بن سلمان في مهمته.

ويخلص المحلل الأمريكي إلى أن نجاح التحول السعودي يمثل مصلحة للولايات المتحدة، التي لا يمكنها “تشكيل دول أخرى على صورتها، لكن يمكنها بالتأكيد أن تشاركها تعزيز دوافعها الإيجابية وتثبيط مغامراتها المتهورة”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى