ــالنشرةدراسات وبحوث

“الرياض”.. ما هو على السطح لا يعكس ما تحت الطاولة

لا يمكن بأي حال التعاطي مع تصنيف السعودية لحركة الأخوان حركة إرهابية كحقيقة، وفي المقابل يبقى “أخوان اليمن” وعلاقتها بهم نموذجاً يدفع نحو إعادة الحسابات في مسألة الأخذ بما تزعمه الرياض؛؛

خاص مرآة الجزيرة ـ حسن الأحمد

في السنوات الأخيرة، ظهر من المراقبين من يخوض في مسألة أن النظام السعودي يعيش حالة من التصادم مع الإخوان المسلمين، وان ذلك قد اخذ صيغته الرسمية المعلنة في العام الماضي ٢٠٢٠، وقبل ذلك في العام ٢٠١٤، لكنه الصدام الذي رأى فيه البعض الآخر، محاولة لدرء أي أسباب قد تؤدي للإساءة للعلاقة مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض التي رغم حِدة تصريحاتها ضد النظام السعودي، حتى قبيل دخول بايدن البيت الأبيض حين كان نائبا لترامب الا ان الواضح بان السعودية ظلت ولا تزال تمثل لواشنطن “البقرة الحلوب”.

بالتالي لا يمكن كما يبدو التسليم بـ”طلاق بائن” بين السعودية والاخوان، الرافد الرسمي للجماعات التكفيرية بالعناصر والكوادر.

وبالنظر مثلا الى أشهر عملية قامت بها جماعة متشددة، ولفتت الانتباه اليها بقوة، وهي تفجيرات 11 سبتمبر التي نفذتها “القاعدة” وكان أكثر قوام المنفذين لها سعوديين حسب وثائق امريكية.. منذ ذاك الحين الى عام 2020 او حتى عام 2014 مع ظهور الاعلان الرسمي الأول الذي قال من خلاله النظام السعودي انه في حالة عداء مع الاخوان، سنجد عقدين من الزمان او أقل، فارقا بين العملية واعلان سلطات السعودية تصنيف الاخوان حركة ارهابية، ومع ذلك لم تكن في مساحة آمنة من التشكيك، ليس فقط لتأخر إعلانها وانما ايضا لتماهي النظام السعودي مع تيارات الاخوان في غير دولة ودخولها في أنشطة داعمة لاستمراريتها، كما سيتبين ذلك لاحقا.

وقد كشفت علاقة السعودية بالإخوان، الازدواجية وحالة الانفصام التي تعيشها، فهي من جهة تدعي تصنيف جماعة “الاخوان المسلمين” جماعة محظورة، ثم تجدها في الجهة المقابلة تحتضنهم وترعاهم وتدعمهم ولنا في “إصلاح” اليمن نموذجا واضح، ورغم محاولة الاقلام المدعومة من النظام السعودي تبرير الأمر واعتباره، حالة استثنائية تفتضيه عوامل سياسية وما يفرضه الواقع، الا أن هذه المحاولة لا تكاد تغطي عورة هذا الانفصام، خصوصا وأن النظام السعودي يسير في اتجاه خلق حلفاء بداعي مواجهة ما يسمونه “المشروع الإيراني”، ربما يعزز هذا المذهب محاولة تجديد العلاقة مع تركيا.

اتسمت شخصية النظام السعودي بالديماغوجية ولكن بمفهوم واسع يتجاوز المعنى الضيق لها فلا يحصرها في الإطار الشعبي وانما ببُعد عالمي، يمكّنه من الإبقاء على العلاقة مع الإخوان؛؛

حسب محللين، اتسمت شخصية النظام السعودي بالديماغوجية ولكن بمفهوم واسع يتجاوز المعنى الضيق لها فلا يحصرها في الإطار الشعبي وانما ببُعد عالمي، يمكّنه من الإبقاء على العلاقة مع الإخوان والاستفادة منهم في تنفيذ اجندات تضمن له البقاء، دون اعتبار لما قد تتسبب به من كوارث وعدم استقرار للمجتمعات.

في علاقة النظام السعودي بـ”اخوان اليمن” ما ينسف صدقية هجوم هيئة العلماء في السعودية ضد الاخوان، بل إن العلاقة تكاد تؤكد حقيقة اللعب بالأوراق الذي ينزع إليه النظام السعودي، انطلاقا من كون اجنداته تفترض الحفاظ على هذه العلاقة.

يقول الكاتب اليمني صلاح السقلدي “في الوقت الذي تصنِّف الرياض حركة الإخوان المسلمين الدولية الذي ينتمي لها حزب الإصلاح اليمني انتماءً فكريا بحركة إرهابية دولية فأنها أي الرياض تتعامل مع هذا الحزب على أرفع المستويات وأبعدها بما فيها التعامل والتحالف السياسي والعسكري وتقديمها له السلاح بمختلف أنواعه بما فيه السلاح الثقيل ناهيك عن الأموال الطائلة واحتضان كبار قادته بفنادقها الوثيرة واستقبالهم بالقصور الملَــكية والإغداق عليهم  بكل أنواع الدعم فإنها لا تنفك أن تنهال عليه بأخطر التهم وتنعته بأشنع عبارات الذم والإزداء.”

ويؤكد السقلدي أنه في الفترات السابقة عادة ما كان يتم مثل هكذا هجوم لغرض التغطية على المستوى الرفيع الذي بلغه التعاون بينهما والدعم السعودي لهذا الحزب، وهو الدعم الذي كان يضع المملكة أمام شركائها بموقف المتناقض والمحرج.

لا يمكن بأي حال، التعاطي مع طرح من نوع تصنيف السعودية الأخوان كحركة إرهابية كحقيقة، ويبقى “اخوان اليمن” وعلاقتها بهم نموذجا يدفع نحو إعادة الحسابات في مسألة الأخذ بما تزعمه.

في أحداث ثورة ١١ فبراير الشبابية، ثم دخول الأطراف في حوار، كان ملحوظا التقبّل الاعمى من قبل حزب “الاصلاح” لكل ما يبديه النظام السعودي من آراء ومقترحات لحل المشكلة، لذلك وجدناه -“الاصلاح”- مهللا بشكل مباشر للمبادرة الخليجية التي قدمتها السعودية، ثم مهللا لتشكيل التحالف السعودي، ثم مهللا للحملة العسكرية التي قادتها السعودية ضد اليمن تحت اسم (عاصفة الحزم) وبعدها (إعادة الأمل).

ثم لاحظنا احتضان قادة الحزب في الرياض، ويؤكد موقع قناة بلقيس التابع لتوكل كرمان المنتمية الى حزب الاصلاح، عبر مقال في نوفمبر 2020، ان “عددا لا بأس به من قادته وأعضائه تلقوا تعليمهم الجامعي في السعودية، وتأثروا بالسلفية الوهابية” وعندما بلغ الموقف العدائي الاماراتي للإخوان حد تأجيرها مرتزقة أمريكيين لقتل قادةٍ سياسيين من حزب الإصلاح، مع ذلك لم تسمح السعودية بتطور الضرر ضد “الاصلاح”.

وحين بدأت الأمور تنفلت في المحافظات اليمنية الجنوبية الواقعة تحت سيطرة التحالف السعودي، وقيام الرياض بمحاولة التسوية بين الكيانات في ساحة المحافظات الجنوبية وصولا لما يسمى بـ”اتفاق الرياض”، كان ملحوظا كيف راعت السعودية جانب حزب “الاصلاح” في هذا الاتفاق، وتعاطت معه باعتباره مكوناً له شرعية أن يحظى بحقائب وزارية في “حكومة هادي”، ولم تحضر مسألة تحريم السعودية للحزب في سياق المزاعم بتصنيفها “الاخوان” كجماعة إرهابية.

نهاية عام 2017 اي بعد ثلاث سنوات من الحديث عن تصنيف النظام السعودي الأخوان المسلمين بالإرهابيين وهو التصنيف الذي تتعامل على اساسه ابوظبي، جمع لقاء محمد بن سلمان ومحمد بن زايد مع رئيس الحزب محمد عبدالله اليدومي وأمين عام الحزب عبدالوهاب أحمد الآنسي في الرياض.. وحسب وكالة الانباء السعودية (واس) استعرض اللقاء “مستجدات الساحة اليمنية والجهود المبذولة بشأنها وفق ثوابت تحقيق الأمن والاستقرار للشعب اليمني”، وهي مسألة تنمّ عن ثقة كبيرة بأخوان اليمن أن يتم مناقشة مواضيع ذات ابعاد استراتيجية وترسم واقع البلد ومصيره.

يقول النائب في البرلمان اليمني الدكتور عيدروس نصر ناصر أن السعودية “تصنف حركة التنظيم الدولي كجماعة إرهابية وهي تتعامل بحذر شديد من البلدان التي تحكمها الحركة، بل وتدعم كل عمل شعبي في أي بلد يتصدى لسياسات الإخوان وحكوماتهم وهذا أمر منطقي ومفهوم، لكن المملكةَ تستضيف قيادات فرع الحركة في اليمن وتتعامل معهم ومع تنظيمهم بكرم وسخاء ربما لم تفعله مع أقرب أصدقائها”.

المبدأ الرئيسي للنظام السعودي هو الإبقاء على العلاقة مع الاخوان، بشكل أو بآخر، مع الإيحاء للآخرين بنظرتها إلى الجماعة كجماعة إرهابية؛؛

الشيء الذي يمكن أن يربك التصور بصدق قطع علاقة النظام السعودي بالإخوان، هذا التشابك، والتناقض الذي يأخذ البعض على أنه من فرضيات الحسابات السياسية، ما يذهب إليه بعض الباحثين ومنهم الدكتور بدر حسن شافعي في موضوعه “السعودية والإخوان بعد تولي الملك سلمان 30 مايو 2015″، بأن السعودية تسير وفق منهج الملفات المتوازية في سياستها الخارجية فهي تنسق مع تركيا التي يفترض أنها تدعم إخوان مصر – في ملف سوريا، دون أن يكون لذلك أثر على إمكانية حدوث تقارب سعودي – إخواني. وهي تحتضن ولها علاقة مع اخوان اليمن “الاصلاح” بدعوى الحرب ضد “أنصار الله” لكن دون أن يكون لذلك تأثير على مبدأها من الاخوان حسب ما يُطرح.. كما تتعامل مع حزب النهضة التونسي وتستقبل الشيخ راشد الغنوشي. ومع ذلك لم يحدث تحرك -ولو بسيط- تجاه الإخوان.

الأكيد وفق هذه المعطيات، أن المبدأ الرئيسي للسعودية هو الإبقاء على العلاقة مع الاخوان، بشكل أو بآخر، مع الإيحاء للآخرين بنظرتها الى الجماعة كجماعة ارهابية، وهي مسألة سلوكية، اذ لا يبدو هناك لدى النظام السعودي مبدأ ثابت من الاخوان، وانما يتغير تبعا لتغير الاحساس بالخطر ودرجة المنفعة، على، أن الغالب أن العلاقة حاضرة في تنفيذ اجندات السعودية في كثير من دول المنطقة.

ووفقا لما تَبَيَنَتْهُ “ويكليكس” واعلنت عنه عام ٢٠١٥، من معلومات لنشاط السفارات السعودية في مختلف دول العالم، قال مؤسس “ويكيليكس” جوليان أسانج حينها أن السعودية خطر على نفسها وعلى جيرانها.

وقال أسانج ايضا، أن “هذه التسريبات تكشف النقاب عن إحدى أكثر الديكتاتوريات الغامضة عبر التاريخ”، و”إن هذه التسريبات تتزامن مع احتفال السعودية بالذكرى 100 لتأسيسها، والتي تشكل تهديدا لذاتها وللدول المجاورة لها”.

يذهب الدكتور بدر حسن شافعي في موضوعه “السعودية والإخوان بعد تولي الملك سلمان 30 مايو 2015” الى “أن العلاقة السعودية مع الإخوان تحكمها ليس مبادئ وقيم الإسلام بقدر المصالح فقط، وما يرتبط بها من توطيد دعائم حكم آل سعود داخليا، واحتكار هيمنة السعودية باعتبارها زعيمة التيار السني في الخارج.”

وهي مسألة كانت حاضرة في حسابات النظام السعودي مع ثورات الربيع العربي التي مكنت الإخوان في غير مكان من الوصول إلى السلطة، الأمر الذي يرفضه النظام السعودي، لخشيته من أن يجد نفسه يوما على قارعة الشجب والندب بسبب احتضان “الاخوان” بهذا الشكل القوي الذي كانت عليه طوال العقود الماضية، ويكشف هذا الأمر -اذا صدق هذا النظام في ادعاءه محاربة الاخوان- ان الأمر ليس غيرة على (دين) وفق ما جاء لهيئة كبار العلماء في السعودية في نوفمبر 2020 من أن جماعة الإخوان “ليست من أهل المناهج الصحيحة”، وقولها أن “كل جماعة تضع لها نظاما ورئيسا، وتأخذ له بيعة، ويريدون الولاء لهم، هؤلاء يفرّقون الناس”، وانما هو خوف على شكل النظام.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى