ــالمشهد اليمنيالنشرة

في حرب اليمن.. واشنطن تحاول تدارك ما أمكن والرياض تعيش حالة إنكار

مرآة الجزيرة ـ وديع العبسي

حراك دبلوماسي امريكي في ذروته، بالتزامن مع تصعيد عسكري بالتزامن مع تصعيد في أسلوب التخاطب بمنطق استعلائي، هو ذات منطق المستعمر القديم، مع اقتراب الجيش واللجان الشعبية من تحرير باقي مدينة مارب من تواجد قوى التحالف السعودي.

وفي المرمى، عناصر أجنبية غازية وعصابات النهب الدولية لا تزال تتواجد في حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى، موزعة على خارطة المصالح التي تبنت لأجلها هذه المعركة.

فيما لا شيء أمام اليمنيين إلا مواصلة طريق التحرر حتى دحر آخر جندي امريكي، وفق استراتيجية السن بالسن والتصعيد بالتصعيد، ووفق حق الدفاع عن النفس، وحق الاستقلال.

على ضوء متغيرات الميدان، جبهة مارب تحديدا، أعطت امريكا الضوء الأخضر للتصعيد العسكري وتضييق الحصار.

وفق هذه المتغيرات، فإن امريكا بايدن التي كانت اكدت في حملة الرئاسة الانتخابية، العمل على رفع يدها أو تحييدها عن مساعي السعودية للهيمنة على اليمن، تبدل موقفها مع اقتراب سقوط مارب كمحطة نفطية اولى ستخسرها حليفتها السعودية في المعركة لتبدأ ضغطا بدأته بموضوع سفارتها في صنعاء وموظفيها التي ادعت ان صنعاء تحتجزهم منذ خروج كادر السفارة في عام ٢٠١٦، ووصلت بالأمر الى مجلس الأمن الدولي الذي تبنى طرح واشنطن، وثم تصريحات المبعوث الامريكي الذي ظهر انحيازه -غير المستغرب- للتحالف السعودي، لتكشف التصريحات الأمريكية في مجملها حجم تورطها المباشر في تصعيد العدوان على اليمن.

على إثر ذلك صعدت طائرات التحالف السعودي من الغارات مستهدفة المحافظات الخاضعة للمجلس السياسي الاعلى بصورة دفعت بالعميد يحي سريع ناطق جيش صنعاء للخروج وتحذير التحالف بالرد الموجع.

في تدوينة على (تويتر) أكد نائب وزير الخارجية في حكومة الانقاذ، حسين العزي الاسبوع الماضي ان “دول العدوان تدشن موجة جديدة من التصعيد العسكري والاعمال العدائية جوا وبرا في مناطق متفرقة من اراضي الجمهورية بما في ذلك الحديدة المشمولة باتفاق ستوكهولم، كنوع من الاستجابة الفورية لتوجهات أمريكا وتصريحات مسؤوليها العدائية ضد شعبنا المظلوم وآخرها تصريحات مبعوثها”.

مشيرا إلى أن المبعوث الامريكي هو من دعا لهذا التصعيد وحرّض عليه.

ارتباك المخطط الامريكي

تدرك واشنطن أن اليمنيين ما بعد ٢١ سبتمبر أكثر انفتاحا على طموحات القوة..

وامتلاكهم لثروتهم سيهدد خطط ومؤامرات الغزاة والمحتلين القدامى في استمرار السيطرة على المنطقة.

ويزيد شعور امريكا بالإحباط مع مستجدات التحركات السياسية الناتجة عن ثقل كفة الجيش واللجان في ميزان المواجهة، وكان من ذلك مظاهر الهزيمة التي صارت (وسما) للتحالف السعودي.

مؤخرا سيطر على التحالف السعودي حديث إعادة النظر في من اسماهم بالشركاء من الداخل اليمني، كأحد مؤشرات هذا الفشل الذي لم يتبقى له إلا الاعلان به.

كما ظهر ذلك في حديث وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، منتصف نوفمبر لقناة “فرانس 24” والذي أوضح فيه أن الوضع في اليمن وصل إلى طريق مسدود عسكرياً وديبلوماسياً.

هذا الأمر والذي بدأت ارهاصاته قبل ذلك، يبدو أنه قد دفع بالجانب الأمريكي إلى تدارك ما يمكن فانفتحت إدارة بايدن على الخليج، على غير تصريحاتها السابقة، ومثّل اعلان موافقتها على صفقة بيع سلاح تشمل صواريخ جو-جو، وكذا قواعد صاروخية للسعودية بقيمة أكثر من 600 مليون دولار، الشاهد الاول على هذا التحول والانفتاح.

ثم ما تلاه من تصريحات التصعيد من خارجية أمريكا ومبعوثها.

في وقت سابق، قدم مساعد الخارجية الأمريكية ديفيد شينكر لإدارة بايدن، دراسة مستفيضة حول وضع معركة التحالف في اليمن وما عليه الوضع، أقر فيها بصعوبة منع جيش صنعاء من تحقيق نجاح، وأن مسألة سيطرة صنعاء على كامل الجغرافية اليمنية بما في ذلك باب المندب وتحول اليمن إلى دولة لها ترسانة صاروخية ومسيرات هي مسألة وقت.. شينكر في الوقت ذاته وضع أمام إدارة بايدن خياران، إما ضخ مزيد من الأسلحة الأمريكية للسعودية وتنظيم صفوف التحالف الذي تقوده، أو ان تتدخل بصورة مباشرة.

الرهان

في هذا الوقت كان جيش صنعاء يمارس معركته بصورة طبيعية وفق ما تفرضه عليه التزاماته الدينية والاخلاقية، بلا أدنى حساب لما يطرأ على سطح المشهد من تصريحات لأمريكا أو من دار في فلكها.

وكعادتها في رهانها على الله ثم على الداخل، نشطت صنعاء  في التحالفات القبلية، وهو الأمر الذي كان ملموسا أثره في المعارك التي شهدتها جبهة مارب، كما كان له أثره في مختلف الجبهات التي حقق فيها الجيش اللجان انتصارات طوال سنوات العدوان، وقد أكد على ذلك العميد يحي سريع متحدث القوات المسلحة اليمنية مرار، الا أن الأمر أي الالتفاف القبلي بالنسبة لجبهة مارب كان أكثر حساسية لدى التحالف السعودي الأمريكي الذي كان يعتمد بشكل رئيسي على عنصر القبيلة في المحافظة، ولذلك مثّل وصول قبائل جبل مراد وقبل ذلك قبائل العبدية في مأرب الى صنعاء ولقاءهم السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي قبل استقبالهم في سنحان وبني مطر، ضربة موجعة سددتها صنعاء لأمريكا وللتحالف.

فشل ماثل

يرى مراقبين ان التصعيد المفاجئ للتحالف السعودي لم يكن سببه الخسارة الوشيكة لجبهة مارب على نحو مجرد، وانما للشعور الطاغي بان النظام السعودي يخسر معركته، وهي مسألة أصبحت معلنة سواء من اطراف سعودية او أمريكية، وابرز ما يدل على ذلك، تداول الحديث عن حل تبحث عنه الرياض للخروج من ورطتها في اليمن، فهي لم تستطع انجاز وعدها بحسم المعركة خلال أسابيع، كما ان تفوقها التقني والتسليحي بعد صفقات سلاح كبيرة ابرمتها مع واشنطن لم تنفعها بشيء ولم ترد عنها الضربات الباليستية والطيران المسير القادم من اليمن، حتى مع الرادارات والباتريوت الأمريكي، هذا الى جانب باقي الانفاق اليومي الكبير.

يؤكد الخبير العسكري العميد المتقاعد الياس فرحات، أن هذه الأسلحة رغم أنها باهظة الثمن إلا أنها “لم تحقق النتيجة المرجوة منها، نظراً لغياب التخطيط السليم للمعركة وخصوصاً ترافُق الحرب البرية مع الهجمات الجوية”.

ويقول العميد فرحات “يبدو أن السعودية حتى الآن، ورغم طول أمد الحرب والخسائر الكبيرة التي تكبدتها وظهور حركة أنصار الله كقوة كبيرة مجهزة بالصواريخ البالستية والدرونز، ما تزال تعتقد أن بإمكانها كسب الحرب.”

هذا الوهم الذي أشار اليه العميد فرحات يصفه الخبير العسكري العميد المتقاعد شارل أبي نادر بـ”الانكار”.

ابي نادر وعلى إثر عملية “توازن الردع الثامنة” التي استهدفت العمق السعودي، تساءل هل تختار الرياض “البقاء في مستنقع الضياع واللاتوازن في حرب غريبة، أرادتها خاطفة أو نزهة قصيرة، لتجد نفسها تعيش في دوامة قاتلة، قد تمتد لأجيال طويلة لو بقيت تعيش حالة الإنكار وعدم الاعتراف بالفشل وبالهزيمة وباتخاذ القرار الخاطئ؟”.
وأكد ابي نادر “أن أكثر ما يمكن أن تكسبه -السعودية- في الحرب، هو فقط إطالة الوقت قليلاً، وربما أيضاً إسقاط عدد أكبر من الشهداء اليمنيين بين المدنيين أو المقاتلين”.
وفي علاقتها مع الأميركيين، يقول العميد ابي نادر “تعيش الرياض حالة إنكار بسبب ما تمارسه معها واشنطن من ابتزاز مالي ومعنوي على المكشوف، من خلال ما تخلقه الإدارة الأميركية من فرص ذهبية لتوقيع المزيد من عقود التسليح الضخمة معها بمليارات الدولارات.”

يخلص ابي نادر في تحليل سياسي عسكري الى التساؤل في علاقتها مع الأميركيين، تعيش الرياض حالة إنكار بسبب ما تمارسه معها واشنطن من ابتزاز مالي ومعنوي على المكشوف، من خلال ما تخلقه الإدارة الأميركية من فرص ذهبية لتوقيع المزيد من عقود التسليح الضخمة معها بمليارات الدولارات.

المسؤولة عن مكتب اليمن في الخارجية الأميركية، تيريز بوستيل، كشفت عقب زيارة لها برفقة المبعوث الأميركي إلى اليمن تيم ليندركينغ، إلى الرياض، أن “السعوديين يبحثون عن طريقة للخروج من الحرب في اليمن”،  وأعربت عن قلق بلادها من تقدّم «أنصار الله» في مأرب «ما يؤدي إلى عرقلة عملية السلام»، حسب زعمها، كما اعتبرت أن «كلفة انسحاب السعودية بشكل مفاجئ من حرب اليمن ستكون مرتفعة على الأرجح (…)، وقد تَدخل دول أخرى مثل قطر وتركيا والإمارات إلى الساحة لانتهاز الفرصة، وقد يطول أمد الصراع».

من جهته، شدّد مدير شؤون الخليج في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، كينيث إيفانز، خلال لقائه دبلوماسيين من دول خليجية على أن «هناك فرصة، وإنْ غير سهلة لإنهاء الحرب في اليمن»، مشيراً إلى أن ليندركينغ زار الرياض مؤخراً و«يرى أن السعودية تريد إنهاء الحرب، وأن الجيش واللجان قد يكونون مستعدّين لإنهاء الحرب وفقاً لشروط من بينها فتح مطار صنعاء، فتح ميناء الحديدة، تقاسم الموارد المالية». وفيما لم يورد إيفانز أيّ تعليق سلبي حيال شروط صنعاء التي تحدّث عنها، يرى بان الجيش واللجان  “يعتقدون بأنه يمكنهم تحقيق انتصار في مأرب، لذلك لن يقدّموا تنازلات في هذه المرحلة».

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى